تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا استبد الجنون بالعلام إلى حد اتخاذ قرار سريع: لا بد من عمل شيء، وليكن ما يكون، لإيقاف هذه المهزلة السوداء الليلة.

تحسس مقبض حسامه في وسطه متذكرا من فوره وجه خليفة الزناتي وكأنه هو بذاته المنقذ لما هو فيه من تردد وألم، ثم اندفع كالمنكفئ عائدا من حيث جاء مبتعدا عن مكمنه داهسا تحت ثقل قدميه شجيرات الزهور وورود العزيزة المختلفة الألوان والأشكال، إلى أن وصل إلى حيث حرسه وركبه المنتظر في فضول، وقد استبد به القلق الشديد.

وحين استقر به المقام داخل عربته الفاخرة المطهمة، قطع حبل الصمت قائلا بصوت خفيض لحرسه وثلة جنده: عودوا من حيث جئنا. - إلى أين؟ - إلى قصر الزناتي.

كان الخليفة الزناتي في ذلك الوقت ما زال غافيا على مقعده الوثير يعاني كابوسا طالما تكرر عليه في الآونة الأخيرة، خاصة عقب العشاء الثقيل الذي كان يخلد إلى النوم على أثره، فقد كان يرى نفسه نهبا لطائر كبير يشبه النسر الجارح الذي كان يحط على رأسه من عنان السماء، وهو يضرب بجناحيه، حيث يمضي ينقر بمنقاره ومخلبيه بؤرة عينيه بينما جثته طريحة الأرض العراء.

فكان يحاول جاهدا تحريك ذراعيه لإبعاد ذلك الطائر الوحشي، لكن دون جدوى: أبعد، أبعدوه، عيناي!

هنا قاربه كبير حجابه معلنا: الأمير العلام.

فتح عينيه في صعوبة مندهشا محتدا: العلام تاني!

هب عن عرشه مبعدا عنه كابوسه الثقيل، وتجمع من حوله أربعة حجاب مسرعين، انشقت عنهم ستائر العرش لمساعدته في خلع عباءته وبقية ملابسه الرسمية استعدادا للنوم.

إلا أن العلام كان أسرع الجميع حين اندفع إليه ملهوفا صارخا: عذرا يا سيدي! - ماذا يا علام؟

أومأ العلام لحجابه ومساعديه بالابتعاد، قائلا في صعوبة: أنت أدرى الناس يا سيدي بمدى إخلاصي لك، وأنني لا أخفي عنك خافية. - وبعد يا علام؟

تردد العلام طويلا في إبلاغ خاله الزناتي بأن القتلى الأربعة لم يكونوا بالحق جواسيس بني هلال، وأن الجواسيس الحقيقيين يرتعون بقصر الأميرة، أي في مخادع حكام تونس آمنين.

| اقبضوا على الجميع

- من تطوله أياديكم وأينما كان.

لكن دون أن تطول أياديه المتعددة المخالب عيون بني هلال المتسللين.

وهكذا وصل حنق خليفة الزناتي وضيقه منه مداه، استعجالا في القبض على المتسللين بحسب ما تشير به تقارير عيونه وبصاصيه المنبثة في كل شبر ومكان حتى عليه هو ذاته، أي العلام!

مما أجبر العلام على اختلاق تلك الكذبة.

ومضى العلام منكلا بكل ما تقع عليه عيون بصاصيه من الغرباء أيا كانوا. - أوقعنا القبض بجواسيس عرب المشرق الخمسة.

وجاءه رد الزناتي: أحضروهم أحياء.

فما كان من العلام وهو في طريق عودته من سوسة إلى قرطاج سوى إلقاء القبض كالمجنون على خمسة أشخاص بغض النظر إن كانوا أغرابا أم تونسيين، المهم انطباق المواصفات عليهم؛ كهل أسود مصطحبا ربابة قديمة وثلاثة شبان حسنو المظهر تحت ملابسهم التنكرية وجارية بيضاء أميل إلى القصر جميلة المحيا رائعة الصوت.

وهكذا أحضرهم إلى مقر الزناتي، بعد أن أطلق أيدي جنده في تعذيبهم أحياء على طول الطريق، إلى حد شل كل حركة أو مقاومة فيهم حتى أخرس كل نطق فيهم.

حتى إذا ما تأملهم الزناتي استراحت نفسه وعاوده استرخاؤه ونعاسه، مشيرا بحربته الهمجية بقتلهم تحت تخته وعرش أجداده: هنا.

وعلى الفور قطع جند العلام رءوس الخمسة الأبرياء تحت عتبات عرش الزناتي، دون رحمة، دون أي محاكمة!

وهنا استراح وجه الزناتي وانفرجت أساريره وأسبل عينيه، مسلما نفسه لخدر النعاس وهو يتمتم لنفسه: سأنام، سأنام الآن.

وعاد العلام مجهدا إلى مقره، فسنح له خاطر طارئ لم يكن التيقن من شيء، معاودا التطلع في حدقتي عيني العلام لعله يفهم شيئا مما تراه عيناه وتسمعه أذناه على هذا النحو الصادم الذي كاد يوقف نبضات قلبه. - الموت المحقق، جحيم!

عزيزة ويونس · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عزيزة ويونسص ٣٧