تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهو ما لم يعره التفاتا شقيقه - الخليفة الحالي - الوليد بن عبد الملك، الذي اجتذبته إغراءات السلطة والتسلط في غيبة مسلمة.

ومن هنا تكاثرت الهموم التي لا تخلو من مخاوف على الخليفة الوليد بن عبد الملك، منذ أن تواترت إليه الأخبار بعودة أخيه مسلمة برفقة قائد الجيوش العربية الصحصاح تحيط بهما أقواس النصر المتوهجة، وهما يتصدران مطالع الجيش العربي الزاحف، محملين بالعروش والتيجان وأسلاب الأسرى من قواد وأمراء جيوش الروم، ما بين يونانيين وبلغار ورومان وغاليين - أو فرنسيين - يرفلون في حجلاتهم وأصفادهم وقيود سبيهم.

وهم يتحركون عبر شوارع دمشق وساحاتها محاطين بالعيون التي أبهجها النصر، بينما تكبير الآلاف المؤلفة من المسلمين يصم الآذان على عتبات وبوابات قصر الخلافة، وعلى مسمع من الوليد وحاشيته، الذين لم يجدوا بدا ولا مهربا من مواجهة ذلك النصر العارم والحماس المتدفق سوى المشاركة، والتظاهر بالفرح والتبجيل للجيش المنتصر العائد.

إلا أن الخليفة شحذ كل فكره في الكيفية التي عليه أولا اتخاذها لإخماد ذلك التدفق بالحماس الذي سرى من أطراف عاصمة الخلافة، ومنها تواتر إلى بقية أشلاء وكيانات الأقوام العربية.

ولم يجد الوليد بن عبد الملك منفذا سوى الإسراع بعزل القائدين، وشق وحدتهما: أخيه الأمير مسلمة، والأمير الحجازي القائد الصحصاح.

فما إن انتهت أيام احتفالات النصر، ووزعت الأسلاب وكنوز مغانم الحرب، وأفضى الصحصاح للخليفة الوليد بن عبد الملك برغبته المتأججة بالعودة إلى موطنه الحجاز، الذي فارقه طويلا نظرا لظروف الحرب والجهاد، ولرؤيته زوجته وولديه ظالما ومظلوما، حتى وافق الخليفة من فوره مجزلا له العطاء والتكريم؛ لمواصلة رحلته إلى وادي الحجاز.

| مولد فاطمة بنت مظلوم

وبانتهاء دور الأمير العربي الصحصاح بفتح عاصمة الروم البيزنطيين القسطنطينية، وتأمين الثغور ضد الطامعين، وعودته والأمير مسلمة مظفرين إلى عاصمة الخلافة، خبا نجمه تخوفا من سطوته، حتى إنه لم يعمر طويلا، مقضيا بقية حياته في غياهب الظل بوادي الحجاز.

وكبر ولداه ظالم ومظلوم، اللذان لم يشهد لهما طفولة وصبى انشغالا بالحرب والجهاد، وهكذا

تولت الأم ليلى تربيتهما إلى أن كبرا وتزوجا، فأنجب ظالم ولدا أسماه الحارث، وأنجب مظلوم ابنة جميلة تسمت بفاطمة، إلا أنه على عادة العرب تلقى خبر مولدها كأنثى مكتئبا، حتى إنه لم يطق رؤيتها، بينما واصلت الأم رعايتها، فعهدت بها إلى جارية قابلة تدعى أم مرزوق، فكانت تحملها ليلة بعد ليلة سرا؛ لتدفع بها إلى صدر أمها لرضاعتها، وتعود بها إلى خبائها في الخفاء.

وفي العام السادس من عمر فاطمة، أغارت بعض قبائل اليمن بريادة بني طيء، على مضارب والدها وعمها ظالم ومظلوم، ووقعت فاطمة أسيرة لدى قبائل بني طيء، فتربت هي وجاريتها سعدى في مضاربهم إلى أن كبرت وشبت على رعاية الجمال والخيول عبر عواء المراعي.

وكانت فاطمة منذ صغرها تهيم بما يصلها من أخبار جدها الأمير الصحصاح فاتح القسطنطينية، فأولعت بالفروسية العربية متخلية عن كل ما يربطها بعالم البنات والنساء.

فتعلمت منذ الصغر أساليب الحرب من مدافعة وممانعة، وكشفت شخصيتها عن الكثير من العجب والانبهار لكل من شاهدها أو سمع بها، حتى إنها أصبحت محط أنظار الشباب والفرسان من أقرانها.

فتهافت عليها الخطاب وراغبو الزواج منها متكاثرين على بوابات مولاها الأمير «البجير»، الذي كان كلما عرض عليها الأمر رفضت بإباء، مدعية أنها لم تخلق للزواج وحياة الفراش، بل لها جلد الرجال.

حتى إذا ما واصل مولاها الضغط على فاطمة لقبول أحد راغبي الزواج منها من شباب العرب المرموقين ذوي السطوة بين القبائل، اضطرت إلى الفرار خفية من مرعاها، متخذة لنفسها ومع جاريتها مأوى معززا في الخلاء، واصلت منه السطو وفرض الجزية إلى أن عظم شأنها، وتضاعف نفوذها، فهجمت ذات ليلة مع أتباعها على قبيلة والدها وعمها ظالم، الذي نازلها فأوشكت أن تقضي عليه بسيفها، إلى أن تدخلت أمها مانعة كاشفة عن شخصيتها.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٩