التي اتخذوها مراكز لتجارتهم التي كانت مضرب الأمثال على طول البلدان والآفاق.
والذين وصل ثراؤهم إلى حد أثقال الفضة التي صنعوا منها هلوبا لسفنهم المشادة من أخشاب أرز لبنان، تتوسطها الصواري الشاهقة الارتفاع إلى حد مناطحة السماء.
كان يحلو للأمير الصحصاح مواصلة التأمل لما يجري، حتى القديم السالف الذي عشقه منذ صباه، لتعرفه على مكنونات وأسرار أعماق الكتب القديمة وسير الرواة، عن حياة البحر، وعن مدن الأجداد والأسلاف التي شادوها، كما أشادوا بعلبك وصيدا وصور، تلك المدن التي لا تزال شاهقة تشهد بأمجاد الأجداد القدماء على طول الساحل والثغور.
فقرطاج والبندقية وكريت كانت على الدوام تفيض بالصناعات والمنسوجات والعمائر العربية، وتعج بالتجار، وتزخر بمنتجات الشرق، فتحملها جاهزة مجهزة إلى مدن الغرب وموانئه الغارقة في أعماق التخلف وحياة الكهوف.
كان الصحصاح يبذل خارق الجهد في الاستزادة من المعرفة بسير الجدود القدماء وتطلعاتهم وفتوحاتهم البحرية مشرقا ومغربا.
كان يبعث برسله لنقل كتاب مخطوط قديم من شواهق الهند وفارس والبندقية.
لكن دون أن تغفل عيناه عن جنده وواجبه كقائد يقظ مؤتمن على حياة جند المسلمين، وتلك الثقة المشوبة بالحذر التي أحاطه بها أمير المؤمنين الخليفة عبد الملك بن مروان.
إلى أن جاءت لحظة حماسه وانجرافه ذات يوم في حضرة الخليفة، وأمير الحملة ولده المقرب الأمير مسلمة، حين انتصب واقفا على قدميه الاثنتين، رافعا ذراعه عاليا على رءوس الأشهاد، مطلقا قسمه وتعهده، الذي أصبح بسببه لا يذيق عينيه غفوة الراحة والنوم مثل بقية خلق الله: «والله لا أرجع إلى خليفة المسلمين حتى أفتح عاصمة الروم قسطنطينية، وأبني فيها مسجدا لأمير المؤمنين.»
وحين حطت قوافل العرب وبوارجهم وعمائرهم على تخوم عاصمة الروم البيزنطيين، بدت المدينة مظلمة ضئيلة الحركة وكأنها مدينة للموتى، وليست عاصمة للتحالف الأوروبي بأكمله المتربص منذ الأزل بالعرب والمسلمين، انتظارا لتحين فرص الوثوب لفرض الإذلال والهيمنة.
بل إن دوام الحصار دفع بالصحصاح إلى إعلان شارات التحدي لملك الروم وقادته صباح مساء دون مجيب، حتى إذا ما طال أمد ذلك الحصار العربي لعاصمة الروم، وبدا الملل بين صفوف الجند والكتائب، استشار الأمير مسلمة الصحصاح بالشروع فورا في إنشاء الحصون والأبنية المجاورة للعاصمة، التي واصلت مع توالي الأيام والسنين النمو والتكاثر والازدهار، إلى أن شرع الأمير مسلمة في إطار العزم والمثابرة وإطباق الحصار «في بناء مدينة مقابل القسطنطينية أسماها المستجدة، وقسم لكل طائفة طرقا وأحياء فيها ... وعمرت المدينة وصارت متسامقة عالية البنيان والأسوار، مليحة الأركان كأنها مدينة نبي الله سليمان».
وعمرت بالأسواق والمعاهد ومعاقل الجند والحمامات. كل ذلك يحدث تحت أعين جنود الروم ومليكهم لاوون، الذين أرهقهم الحصار، وقطع المؤن، وضرب كل إمداد، وانتشار الخوف والهلع في نفوس السكان.
وحين طال أمد حصار جيوش المسلمين للقسطنطينية الذي فاق أربعة أعوام، لم تغفل فيها عين الأمير الصحصاح عن زوجته وحبيبة قلبه الوفية «ليلى»، التي كان قد علم بوضعها لولديه ظالم ومظلوم، على مدى سنوات الحرب المستعرة التي لم تترك له يوما لرؤيتهما منذ رحيله عن أرض الحجاز إلى دمشق، وزيارته الخاطفة لها عقب فتح مالطة، إلا أن الحصار المديد لعاصمة الروم أعاد إلى مخيلته الحنين الجارف إلى زوجته وولديه، فتمنى مشتهيا رؤيتهم والتعرف على أحوالهم.
فدأب على إرسال الرسل المحملة بالهدايا من ملبس ومأكل وتحف وجوهر إليهم، بل هو كثيرا
ما اختلى بنفسه في إيوانه شاردا لا يغفل عن وجه ليلى المشع دوما بالصفاء وعميق المشاعر، تحمل