تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكانت تعني بالأهل طبعا عمها ظالما وابنه الحارث، وحلفاءهما الجدد من كبار الوزراء المقربين لدى الخليفة؛ مثل: عقبة بن مصعب، والفضل بن الربيع، الذين أصبحوا أقرب إلى الجسد الواحد والحليف الواحد.

كما أخبرته أن الأيام والليالي حبالى وستلد، ومن يعش يسمع ويرى.

وتركها أمير الحملة عائدا إلى مضاربه، مهموما لهمومها التي مداها حصد رءوس جند أمير المؤمنين.

فالجبهة مضطربة ينقصها التماسك، والأعداء يأسرون وينكلون بالمسلمين الذين يعلو تحديهم لذات الهمة، وللخليفة ذاته في بغداد.

أما ذات الهمة فكانت على ما هي عليه من أسى يقطر بالمرارة، وهي التي تتصدى للحرب على جبهتين: في الخلف والأمام.

ولم يجد الأمير بدا من معاودة زيارتها وتقصي الأمر معها، حتى إنه استقدم معه ذات مرة ابنها عبد الوهاب ليربى مع أبنائه في مضاربه؛ تشفعا لتفرغها للعدو وأساليبه، وترك أمر عمها ومن في فلكهما له، فهو كفيل بقطع كل لسان يلغو من خلفها، وقال لها مطالبا بالدفاع عن حرمات المسلمين وأبنائهم، ومن ضمنهم طبعا عبد الوهاب وكل أطفال العرب. •••

كان الصبي قد اشتد ساعده، كما انتقلت تربيته وإعداده كفارس إلى مضارب أمير أمراء الحملة، ليتدرب مع ولده عمر على يد أمهر معلمي الفروسية في عصره «داود بن محمد النجار»، مؤلف كتاب الفروسية العربية، الذي شهد له منذ نعومة أظافره بالنبوغ والتفوق.

حتى إن الأمير عبد الله وهب له ابن فرسته السوداء الأصيلة «سحاب».

وتمكن الأمير عبد الله هذه المرة من أن يدخل السرور والتفاؤل إلى ذات الهمة بإحضاره عبد الوهاب لزيارتها ذات مساء.

وبدا عبد الوهاب حقا رزينا مجللا بحكمة الكبار حين ترجل عن فرسه بن الفرسة «سحاب» محتضنا أمه، طالبا منها في توسل البقاء إلى جانبها في الجهاد وهو بعد صبي صغير.

وفرحت الأميرة ذات الهمة إلى حد الاستبشار حين أبدى عبد الوهاب رغبته في الإلمام بأساليب ما استحدثه الأعداء في هذه الحرب من مفرقعات نارية وأسلحة كيميائية وغدارات وهكذا.

وبدا على دراية وإلمام كبيرين في انكبابه على فك أسرار وطلاسم ما يستجد من أسلحة المعتدين الطامعين، مما دفع بذات الهمة إلى إطلاعه على آخر ما عاد به عياروها وجواسيسها من أسلحة، عالجها عبد الوهاب وكأنه على معرفة يقينية بها، وانشغل بأسرارها طويلا تحت رعاية خبراء ذات الهمة، مما لفت إليه الأنظار منذ الصغر، وتواتر صيته حتى إلى آذان المهدي في بغداد.

وكما لو أن عبد الوهاب - وهو سبب ما حل عليها من كوارث - قد أعاد إليها سكينتها، فأصبحت لا تطيق فراقه حتى في مقدمة الصدام وموقع الرأس من جيش المسلمين، وتحققت بعد طول اندحار بوادر نصر متوثب زاحف دفع بصفوف جند التحالف الرومي البيزنطي إلى التقهقر، وإعادة الإلحاح على طلب المهادنة.

هنا ضحكت ذات الهمة: هدنة ... لن تكتحل بها عيونهم بعد اليوم، بل هي عارضت بكل قواها تقبل نوايا الروم، وكتبت إلى الخليفة في هذا مرارا مصرة على مواصلة الحرب السجال، بما لا يتيح لأعدائهم فرصة الخلود لمعاودة التفكير في إدخال تحسينات جديدة على أسلحتهم، التي أبلت ذات الهمة في اقتناصها من أيديهم بالحيلة التي أبدى براعة في رسم خططها وتنفيذها عيار شاب لا يعدو عمره عمر ابنها عبد الوهاب، ويجيد الكلام بمختلف لغات الأعداء وتقمص شخصياتهم «وصبغ حاله سبع صبغات»، ويدعى أبا محمد البطل، والذي حرف اسمه من قبلهم - أي الأعداء - إلى «البطال».

كما نجحت أيضا في الاستيلاء على هذه الأسلحة عنوة من أيديهم كأسرى وسبايا ومختطفين.

وعلى هذا النحو تحدت الأميرة ذات الهمة عمها ظالما والجميع في طلب الهدنة استجابة لمطلب الأعداء، الذين أصبح لا هم لهم سوى التفنن في اختراع مختلف أسلحة الفتك، التي لا مجال فيها لأية فروسية أو شرف أو رحمة.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخ · الصفحة ٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الأميرة ذات الهمة: أطول سيرة عربية في التاريخص ٣٦