قالت متندمة وهي تزم رأسها بشال، ثم تابعت تقول: أية جبهة؟ الجبهة هنا، فرضت علي هنا قسرا ودون سابق إنذار.
عانت ذات الهمة طويلا، الشهور إثر الأيام إلى أن نما جنين قرارها بتكتم أخبار حدث وضعها، وآثرت تربية عبد الوهاب مودعة إياه لدى إحدى القابلات، وكانت المرأة تحضره لها ما بين أسبوع إلى آخر لتراه وتضاحكه كأم، لتعود به آخر الليل إلى مضاربها.
واستراحت ذات الهمة كمن وجد أخيرا صديقا حميما تستأنس إليه، وكانت كلما جيء به إليها
عكفت تهدهده وتحنو عليه وتقبل أطرافه.
وبدا عبد الوهاب كمن يدرك أبعاد ما بها إلى درجة كانت تربكها وتثير العجب في نفسها.
وكانت كلما استعانت بالرباب لتفهم لغز عبد الوهاب، وهي مربيتها وأمها في الرضاعة، مشيرة إلى طفولتها هي قائلة: إنه ابنك يا فاطمة. - إلى هذا الحد يا رباب؟ - وأكثر ... غدا ترين.
وصبرت ذات الهمة على تربية الغلام بعيدا عن دفء صدرها، إلى أن اشتد ساعده وأصبح قادرا على الخطو والنطق، وأمره ما زال مختفيا عن كل عين حتى عن أبيها مظلوم نفسه، الذي فوجئت به عقب عودتهم إلى مالطة يفاتحها عن الغلام متسللا حذرا طيعا كعادته.
وبدا لها أنه على دراية بتفاصيل قصة إنجابها، بل واسم الغلام: «عبد الوهاب».
وزاد من فداحة الأمر الذي ألهب مشاعر ذات الهمة ما أخبرها به والدها، من أن ابن عمها ظالم يطالب بأحقيته في رؤية الغلام وتأمله؛ لكي تقر له عين.
وكأن انقلابا كونيا قد حدث للعالم، كأن تشرق شمس الصباح حين ينبغي أن تغرب، ذلك أن ذات
الهمة انقلبت فجأة كنمر كاسر في وجه أبيها، ممتشقة حسامها معلنة الحرب التي ستسيل الدم الواحد أنهارا في تلك الغربة التي يبدو أنها لن تقصر بحال في يوم من الأيام.
وهنا قام إليها الأب محتضنا، مهدئا، واعدا بإصلاح الوضع برمته بين أخيه وابنته.
وعلى هذا النحو الدامي وجد والدها الأمير مظلوم نفسه نهبا للطرفين المتخاصمين، ابنته وأخيه في الصراع حول عبد الوهاب الذي وجد له مكانا حانيا في قلبه، منذ أن وقعت عيناه عليه في ثباته ويقظته، ورؤية ذلك الذكاء المتوقد المشع من عينيه السوداوين المفصحتين، فبدأ يصحبه
على جواده الأشهب واضعا اللجام في قبضتيه الصغيرتين.
بل إن الأب الطيب مظلوما رأى في الغلام الحصيف رابطة دم جديدة تضاف بينه وبين أخيه، وليس العكس، وكان كثيرا ما يمسك عن الإفاضة لأخيه بمآثر عبد الوهاب التي صاحبت مولده وصباه المبكر.
أما ظالم فكان يجد في صفاء قلب أخيه منفذا، مؤكدا على أن رغبته في رؤية الغلام ما هي إلا رغبة جد تجاه حفيده، فهو أرفع وأعز الولد.
بل إن الأمير ظالما تمكن بنعومة حديثه والإعراب دوما عن رغبته في رؤية حفيده من استمالة قلوب الجميع وعطفهم، حتى أمير الحملة ذاتها المعين من قبل أمير المؤمنين عبد الله بن سليم، الذي له دالة كبيرة ومنزلة عميقة لدى ذات الهمة، فوعد بالتدخل لجمع الشمل، خاصة وقد أوشكت الهدنة على الانتهاء بين العرب وبين التحالف الرومي، الذي بدأت فلوله تتسرب وتواصل تحرشها وتقدمها باتجاه مواقع المسلمين.
وهذا هو الأمر الذي نبهت له مرارا ذات الهمة بمبادرة الهجوم والجهاد كأفضل وسيلة للدفاع.
ولكن كيف الطريق إلى التفاف الجميع حول هذا الرأي والخلاف يدب بين الأشقاء، منذرا بحرب داخلية بين أعضاء الجسد الواحد؟
وحين حاول الأمير عبد الله بن سليم إيضاح الأمر لذات الهمة، ولو من مدخل ما هم مقبلون عليه من أخطار وهجوم لرد الأعداء، واصلت رفضها بحدة لم يشهدها قبل، وهو الذي زارها محملا بالهدايا النفيسة لعبد الوهاب، بالإضافة إلى ما وصله من هدايا أمير المؤمنين الخليفة المهدي والأمراء.
إلا أن ذات الهمة لم تجد حجة تسوقها في طرح قضية عبد الوهاب على حكماء عرب الحجاز ومكة، والاستشهاد بصائب مشورتهم في التحكيم بينها وبين عمها ظالم وابنه الحارث.