@ 131 وعلى العاقل أن يعلم أن لن يصيبه إلا ما كتبه الله له ولا يعدوه ما قدره له وأنه قد فرغ من أمر رزقه الذي فرضه الله له فلا العقود يصده ولا السعي واتعاب النفس يوجب الوصول إلى ما لم يأذن به الله
وهذا معلوم من الشرع قد توافق عليه صريح الكتاب والسنة وتطابقت عليه الشرائع وإذا كان الأمر هكذا فما أحق هذا النوع العاقل من الحيوان الذي دارت رحى التكليف عليه ونيطت أسباب الخير والشر به أن يشتغل بطلب ما أمره الله بطلبه وتحصيل ما خلقه الله لتحصيله وهو الامتثال لما أمره به من طاعته والانتهاء مما نهاه عنه من معاصيه
وإن أعظم ما يريده الله منه ويقربه إليه ويفوز به عنده أن يشغل نفسه ويستغرق أوقاته في طلب معرفة هذه الشريعة التي شرعها الله لعباده وينفق ساعاته في تحصيل هذا الأمر الذي جاءت به رسل الله إلى عباده ونزلت به ملائكته فإن جميع ما يريده الله من عباده عاجلا وآجلا وما وعدهم به من خير وشر قد صار في هذه الشريعة
فأكرم برجل تاقت نفسه عن أن يكون عبد بطنه إلى أن يكون عبد دينه حتى يناله على الوجه الأكمل ويعرفه على الوجه الذي أراده الله منه ويرشد إليه من عباده من أراد له الرشاد ويهدي به من استحق الهداية فانظر أعزك الله كم الفرق بين الرجلين وتأمل قدر مسافة التفاوت بين الأمرين هذا يستغرق جميع أوقاته وينفق كل ساعاته في تحصيل طعامه وشرابه وملبسه وما لا بد منه قام أو قعد سعى أو وقف وهذا يقابله بسعي غير هذا السعي وعمل غير ذلك العمل فينفق ساعاته ويستغرق أوقاته في طلب ما جاء عن الله وعن رسوله من التكاليف التي كلف بها عباده وما أذن به من إبلاغه إليهم من أمور دنياهم وأخراهم لينتفع بذلك ثم ينفع به من يشاء الله من عباده ويبلغ إليهم حجة الله ويعرفهم شرائعه
فلقد تعاظم الفرق بين النوعين وتفاوت تفاوتا بقصر التعبير عنه ويعجز