تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رسول الله)، يقاتلهم وقد علمهم قبل ذلك كما في قوله جل وعلا: وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ [التوبة:6]، يعني: أسمعه كلام الله ليتأمل ويتدبر, وهذا هو الواجب على الأنبياء وورثة الأنبياء والبلاغ للناس، وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ [النور:54]، يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ [المائدة:67]، وهي الرسالة التي جعلها الله عز وجل على الأنبياء واجبة, وعلى ورثتهم كذلك أن يبلغوا الحق للناس، وكلما كان الإنسان بالحق أبصر كان العقاب عليه عند المخالفة أعظم، ولهذا ينبغي للإنسان أن يعلم أن الله عز وجل إذا وفقه إلى شيء من العلم أن الله أقام عليه الحجة، وإذا وفقه إلى علم وحرمه العمل فليعلم أن الله أراد به شراً؛ لأنه أراد أن يزيده في العلم ويعطله في العمل؛ حتى تشتد عليه العقوبة، ولهذا من أعلم الخلق إبليس، هذا من جهة العلم, وهو أقلهم أو معدوم العمل في الخير؛ ولهذا كان أشد الخلق عذاباً يوم القيامة، ولهذا من كثر علماً وقل عملاً فهو أكثر الخلق شبهاً بإبليس، ومن كثر علماً وكثر عملاً أقرب الناس شبهاً بمن؟ بالأنبياء لأنهم أكثر الخلق أو أكثر المكلفين علماً بالله سبحانه وتعالى وكذلك عملاً وامتثالاً لأمر الله جل وعلا.

... الفرق بين إقامة الحجة وفهمها

ينبغي أن نفرق بين إقامة الحجة وفهمها، فإقامة الحجة هي: إسماع الدليل الذي يلقى على الإنسان على لغة يفهمها لو أراد أن يفهم، هذا به تقوم الحجة، أما فهم الحجة فمرده إلى القلب، فأنت إذا خاطبت أحداً بلغة يفهمها فقد أقمت عليه الحجة إذا كان مثله يفهم، لكن لو خاطبت الإنسان وهو مجنون, أو خاطبت إنساناً وهو نائم, فلا تقم عليه الحجة, لأنه لا بد أن يكون حاضراً، لكن لو خاطبت الإنسان بلغة لا يفهمها وهو حاضر الذهن؛ كخطاب العربي للأعجمي والأعجمي حاضر الذهن لم تقم عليه الحجة.

ثم أيضاً في قول النبي صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا أدخله الله النار)، هذا من قامت عليه الحجة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يسمع بي)، معنى السماع أن يسمع بمحمد لا بغيره، فإذا سمع أحد من اليهود والنصارى بمحمد ولكن قيل له: هذا مفكر عربي أو هذا قائد عسكري لم بسمع بمحمد بل سمع بغيره، فما قامت عليه الحجة حتى يسمع بأن النبي صلى الله عليه وسلم نبي أرسله الله جل وعلا إلى الناس كافة، ولهذا نقول إن الحجة تقوم بالسماع بمحمد صلى الله عليه وسلم كما أراده الله عز وجل له لا كما يصل إلى أذهان الناس مشوهاً، لهذا ربما بعض الطوائف أو بعض الملل يصل إليه أن محمداً إما قائد عسكري أو مفكر أو قائد جيش أو جند، فلا يسمع بمقام النبوة أو كونه يوحى إليه، ولهذا نقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا

شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيرواني · الصفحة ٣٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح مقدمة رسالة ابن أبي زيد القيروانيص ٣٧