تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال ابن كثير في تفسيره: ” ينهى الله تعالى أهل الكتاب عن الغلو والإطراء، وهذا كثير في النصارى فإنهم تجاوزوا الحد في عيسى حتى رفعوه فوق المنزلة التي أعطاه الله إياها، فنقلوه من حيّز النبوة إلى أن اتخذوه إلهاً من دون الله يعبدونه كما يعبدونه.

قوله ﴿ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾ أي لا تفتروا عليه وتجعلوا له صاحبة وولداً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، ولهذا قال تعالى: ﴿إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾ أي إنما هو عبد من عباد الله، وخلْق من خلقه، قال له: كن فكان، ورسول من رسله.

مناسبة الآية للباب:

حيث دلت على أن سبب خروج أهل الكتاب من دينهم هو غلو النصارى في تعظيم عيسى، وغلو اليهود في ذمه.

وإنما اعتبر مثل هذا شركاً لأن النصارى دفعوا عيسى إلى منزلة الله فعبدوه معه.

من فوائد الآية:

1 - تحريم الغلو في الصالحين وذلك لما يتضمن من المفاسد:

أولاً: أنه تنزيل للمغلي فيه فوق منزلته.

ثانياً: أنه يؤدي إلى عبادة هذا المغلو فيه.

ثالثاً: أنه يصد عن تعظيم الله سبحانه وتعالى.

2 - تحريم القول بالرأي في الدين الذي لا يستند إلى دليل.

3 - قال شيخ الإسلام: ” ومن تشبه من هذه الأمة باليهود والنصارى، وغلا في الدين فإفراط فيه أو تفريط، فقد شابههم “.

4 - الخطاب في الآية وإن كان لأهل الكتاب، فإنه عام يتناول جميع الأمة، تحذيراً لهم أن يفعلوا فعل النصارى في عيسى بن مريم - عليه السلام -، واليهود في عزير، كما قال تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون﴾.

فكل من دعا ولياً أو نبياً من دون الله فقد اتخذه إلهاً، وضاهى النصارى في شركهم، وضاهى اليهود في تفريطهم.

فإن النصارى غلو في عيسى - عليه السلام -، واليهود عادَوه وسبوه وتنقصوه.

فالنصارى أفرطوا، واليهود فرطوا، وقد قال تعالى: ﴿ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾.

5 - الحث على لزوم اعتدال في الدين وجميع الأمور بين جانبي الإفراط والتفريط.

6 - التحذير من الشرك وأسبابه ووسائله.

في الصحيح:

عن ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ في قول الله عز وجل: ﴿وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ وَدّاً ولا سُواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً﴾. قال:

(هذه أسماء رجال صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم: أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون فيها أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا، ولم تُعبَد، حتى إذا هلك أولئك ونُسي العلم عُبدت). رواه البخاري [4920]

وقال ابن القيم: ” قال غير واحد من السلف: لما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد فعبدوهم “.

ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ ــــ

وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا مهران عن سفيان عن موسى عن محمد بن قيس: (أن يغوث ويعوق ونسرا، كانوا قوماً صالحين من بني آدم، وكان لهم أتباع يقتدون بهم، فلما ماتوا، قال أصحابهم: لو صورناهم كان أشوق لنا إلى العبادة، فصوروهم، فلما ماتوا وجاء آخرون دبَّ إليهم إبليس، فقال: إنما كانوا يعبدونهم وبهم يُسقون المطر، فعبدوهم).

(أنِ انصبوا) بكسر الصاد،

(أنصاباً) جمع نصب، والمراد به هنا الأصنام المصورة على صورهم، المنصوبة في مجالسهم وسموها بأسمائهم.

شرح كتاب التوحيد · الصفحة ٨٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب التوحيدص ٨٦