تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الفتنة بينه وبين الناس والبلاء، لا، ليس هذا. هذا موجود وأغلب علماؤنا وقعوا في هذا في آخر عمرهم؛ في آخر عمرهم أصابهم البلاء من الناس ومن الأقران، وهذا تفكرت فيه كثيراً، لماذا؟ لماذا في آخر عمر ابن تيمية يموت في السجن لماذا؟ لماذا البخاري في آخر عمره يموت في خرتنك، قرية ليس فيها أحد، متألماً من أهل بلده يكاد أن يكون مطروداً، لماذا يقع هذا؟ ففكرت في هذا والله كثيراً ثم بان لي معناه - أو أظن أنه بان لي معناه - وهو أن الله - عز وجل - يريد من هؤلاء العلماء أن يصيبوا شيئاً من الحالة النبوية عند الممات.

أن يموت العالم شهيداً هذه انتهينا منها: يموت شهيداً، وهؤلاء لهم مقاماتهم، لكن كيف يحقق العالم الذي يموت بغير شهادة، كيف يحقق بعض معاني النبوة عند الممات، كيف؟ هذه هي. ما من نبيٍّ - يقول البعض أن هذا خروجٌ عن الكتاب، هذا ليس خروجاً عن الكتاب، هذا يعلمكم كيف تقرؤون كلام العلماء ويعلمكم كيف تفهمون أحوالهم وكيف كتبوا كتبهم؛ إن لم تعرف نفسية المتكلم فأنت لم تعرف شيئاً، الكتاب هو ظل نفسيته كما أنه ظل عقله، هذا مهم أن تعرف أن الكتاب هو كاشف لنفس الكاتب قبل أن يكون كاشفا لما يدور في عقله - أعود إلى النقطة التي نحن فيها، ما من نبيٍّ - عليهم السلام - جميعاً إلا وقد خُيِّر بين الدنيا والآخرة، وهذا في الحديث الصحيح. كلهم جاء لهم الملك وطلب منهم هل تريدون الحياة أو الموت؟ فعندما يحضر قدر الله يختار الأنبياء كلهم الموت، وهذا وقع مع سيد الأنبياء وحبيبنا ونبينا وإمامنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم - فقد خُيّر، كما في الحديث الصحيح، أنه وقف على المنبر وقال عبد خُير بين الموت والحياة فختار لقاء ربه فبكى أبو بكر، تعرفون القصة. فكيف يحصل العلماء على هذه المرتبة أو شيئاً منها؟ الله يبتليهم عند الممات بحيث يكرهون الدنيا ويتمنون الموت، وهذا معنى من معاني النبوة عند الموت. مفهوم الكلام هذا؟ الإبانة أي أن يفهم المرء - هذه غربة - ثم الغربة أن يتكلم بهذا فيريد أن يوصل إليهم المعنى فيعجز، هذه تصنع الغربة. هذا معنى غربة العلماء بالنسبة لعلومهم بخلاف ما تقدم من غربة البلاء الذي يقع من غربة الجهلة عليهم. هنا فقط ماذا قال؟ شرح هذه الكلمة وهو قوله: "ما يعجز عن تفصيل بعض أسراره العقل"، هو فهمها، لكن هو فهمها فَهْم الاحساس القلبي وتلذذ بها، شعر أن فيها المعاني، كيف هي في داخل عقله يكاد أن يرتبها فتنطرد، لا تتلاءم، فتعود إلى القلب. انتبه إلى ما قاله: "ويقصر عن بث معشاره اللسان" لأنه هو أصلاً في العقل يكاد لا يُصاد،

شرح كتاب الموافقات للشاطبي · الصفحة ٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

شرح كتاب الموافقات للشاطبيص ٨٧