من دلائل هذه القاعدة - أن علم السلف أعظم - أنه أنتج تعبدا، لما علم السلف ما عندهم من علم ازدادوا تعبداً لله.
أنا هنا أنبه عن نقطة بعيدة الغور، وهي أن بعض أهل العلم - انتبهوا لهذه النقطة، مهمة جدًّا جدًّا -، أنا أتكلم عنها لأني أعرف مواطن الخطر والخطأ في عالم التصورات المعاصرة والقديمة، وهذا نحن نرث أرثا كبيرا، - وهذا تنبيه على ما قاله أبو حامد، بل لو قلت تخطئة لأبي حامد لكان صحيحًا، لكن لا نجرؤ أن نتكلم عن العلماء بهذا الكلام في مجلس علم وفي حضرة كبار، لكنها تنبيه على ما قال -، لما جاء أبو حامد في مقدمة كتابه (إحياء علوم الدين)، قال بأننا رأينا الفقهاء والمتكلمين وأهل اللغة، رأيناهم أبعد في التعبد عما عليه من لا يعتني بهذا العلم، فعلينا أن نبحث عن العِلم الذي يُنشئ عابدًا متعبدا، وعلينا أن نقتصر على علوم الآخرة، وبهذا جعل هذه القسمة الموجودة إلى اليوم، قسمة ثلاثية، رباعية، عشرية، قل كما شئت، هذه الكلمة: "الفقيه لا يكون عابداً"، هذا ليس لأن الفقه لا يُنتج عابداً وبالتالي علينا أن نذهب إلى علم المواعظ لتنتج عابداً. لأن اليوم الناس كيف يفهمون؟ هذه كلها من إرث هذا الكلام، من الذي يُنشئ متعبدا اليوم؟ هي المواعظ في نفوس الناس، فإذا تكلمت عن القبر أنشأت عبادة، وإذا تكلمت عن الجنة أنشأت عبادة، لكن لو تكلمت عن أحكام المياه وطهارة المياه فإنها لا تنشئ عبادةً، هل هذا صحيح؟ هذا باطل، وذلك لأمور كثيرة جداً، أهمها أن الناس لا يفهمون أن هذا الأمر، حين يستحضِر المرء حكم الله فيه، فيعمله على أنه حكم الله، وحين يفعله تعبداً لله –عز وجل-، يُنشئ من معاني التعبُّد ربما ما يوازي - إن لم يكن أكثر - موعظة المرء بالآخرة وغيره وبعذاب القبر.
ولذلك لا يقال: الفقيه ماذا، انظروا إلى الفقهاء! هذا ليس لخطأ هذا العلم أنه لا يُنشئ تعبدا. هل الصلاة، لما يقول الله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾، فيأتي واحد ويقول: رأيت رجلاً مصلي فلم تنهه صلاته، ولذلك في الحديث الذي لا يصح - كما قال أهل العلم -: "من لم تنهه صلاته فلا صلاة له"، هذا حديث لا يصح، فحتى جعلوا الصلاة لا قيمة لها في النهي، مع أن القرآن يقرر أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، فلا بد أن نفهم هذا.