وقول المصنف رحمه الله: (من الدين الفرار من الفتن)، إنما ذكر الفرار هنا؛ لأن الإنسان في أمر دينه يحتاط ويفزع ويوجل، كحال الذي يفر من القتل؛ لأن أهم ما يحوطه الإنسان هو الدين فهو أولى من حفظ النفس، والفتن من جهة الأصل في حقيقتها هي: الاضطراب، أو ما أدى إلى عدم معرفة الحق؛ لهذا قال الله جل وعلا: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الأُمُورَ [التوبة:48]، فتقليب الأمور وعدم معرفة موازينها هذا من الفتن، فكل سبب يفضي إلى هذا المعنى فهو فتنة؛ ولهذا جعل الله عز وجل الأبناء والأزواج والأموال فتنة؛ لأنها تفقد الإنسان شيئاً من معاني الحق، وهذا الإدراك لهذه المعاني يتباين الناس فيه: منه ما هو معاني لا يدركه إلا من كان في مقام النبوة؛ ولهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى الحسن والحسين يقدمان ويعثران بثوبيهما نزل من منبره عليه الصلاة والسلام، فقال: (صدق الله: إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [التغابن:15]).وهذا المقدار من الفتنة يدركه مثل مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا التباين حتى في تقديم بعض المتفاضلات اليسيرة على بعض في شيء من أمر الدنيا يدركه الإنسان بقوة إيمانه، ومن الناس من لا يدرك الأمور المتفاضلة التي هي كأمثال الجبال، فتجد الأمر الفاضل كأمثال الجبال، وتجد ما هو دونه كحال الحصى، ولا يدرك أن هذا فاضل على هذا؛ لقصور وضعف الإيمان في قلبه. لهذا كلما كان الإنسان قوياً في إيمانه مستمسكاً به أدرك مواضع الفتنة التي تحول بينه وبين معرفة الحق بذاته، والفتن لا يكاد يسلم منها أحد في هذا المعنى العام، وإنما سميت هذه الوسائل فتناً؛ لأنها تؤدي إلى اضطراب الإنسان في رأيه، في عقيدته، كذلك في عمله، فالفتنة تصرف الإنسان عن العبادة، وتصرفه عن إصابة الحق والقول به، فينبغي للإنسان أن يبتعد ويفر عنها. والفرار على نوعين: هو فرار بدن، وفرار نفس.
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري · الصفحة ٦٥
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاريص ٦٥
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي