مسائل الاعتقاد من القطع، لكن لما كان بعض الناس لا يتمكن من ذلك لعدم قدرته والله {لا يكلف نفساً إلا وسعها، فالذي لا يستطيع الوصول إلى المعرفة بنفسه -مع أنه لابد من اليقين وعدم التقليد فيها- فإنه يجوز له أن يقلد عند العجز عن معرفة الحق بنفسه لقوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم) وقوله: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها).
- معنى التقليد في مسائل العقيدة:
وحتى نحرج من هذا الإشكال لابد أن نعرف معنى التقليد في مسائل الاعتقاد:-
1. القول الأول: وهو لأهل الكلام، قال علماؤهم: التقليد هو اتباع الكتاب والسنة من غير نظر عقلي، ومعناه عندهم: قبول قول القائل بلا حجة، فإذا جاءت آية من القرآن أو سمعت حديثاً نبوياً فيه أمر من الأمور العقائدية وليس فيه ذكر الدليل العقلي إذا رأيت هذا الرأي واعتقدت هذه العقيدة بناء على نص من الكتاب والسنة، فأنت مقلد للكتاب والسنة دون دليل. فالتقليد عندهم قبول أدلة الكتاب والسنة، وهذا قول مجانب للصواب، ففي القرآن والسنة من الأدلة العقلية الشيء الكثير، وما يذكرونه هم من أدلة عقلية قد جاء القرآن بخلاصته على أحسن نظام، وهذا ظاهر لمن تتبعه، ثم إن النبي ^ لم يأمر أحداً بالنظر العقلي، وإنما دعاهم إلى الإيمان فآمنوا وبين لهم أن هذا الإيمان:
(1) تدل عليه الفطرة.
(2) تدل عليه الأدلة الكونية الظاهرة في آيات الله ومخلوقاته.
(3) تدل عليه ما في هذا الشرع من حكم وأحكام دالة على أنه من حكيم عليم.
2. القول الثاني: موافقة المقلد لغيره في مسائل العقيدة، مثلاً: طفل نشأ في بيت مسلم ولم ينظر في الأدلة، ومع ذلك هو يعتقد بوحدانية الله {، ويعتقد مسائل الإيمان بناء على تقليده لأهله، وهذا هو المراد بالتقليد، لا ما ذهب إليه أهل الكلام.
- صحة إيمان المقلد:
والصحيح أن إيمان المقلد تقليداً جازماً صحيح، وأن التقليد يحصل العلم وليس محصلاً الظن فقط، وأما النظر والاستدلال الذي يذكرونه فهو ليس بواجب على المكلف إلا على من بلغته الدعوة ولم يحصل عنده الاعتقاد الجازم المبني على التقليد، وكان لا يمكنه معرفة الحق إلا بالنظر، فهذا يجب عليه أن ينظر. وإلا فغيره الواجب عليه الجزم. فنقول: الصواب من هذه الأقوال أن الواجب على المكلف الجزم في مسائل الاعتقاد، يعني: عدم الشك، أما التقليد وعدمه فإن إيمان الجازم سواء قلد في مسائل الاعتقاد أو لم يقلد إيمانه صحيح. والنبي {والسلام قبل إيمان الأعراب من دون أن يتأكد هل نظروا في ذلك أم لا، وقد يكون إيمانهم تقليداً ولكن لما كانوا جازمين