تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتجيد صنعته ، ثم تبعثه إلى الكبد في مجار دقاق ، وقد جعل بين الكبد وبين تلك المجاري غشاء رقيقا كالمصفاة الضيقة الأبخاش تصفيه فلا يصل إلى الكبد منه شيء غليظ خشن فلا ينكأها ؛ لأن الكبد رقيقة لا تحمل الغليظ ، فإذا قبلته الكبد أنفذته إلى البدن كله في مجار مهيأة له بمنزلة المجاري المعدة للماء ليسلك في الأرض فيعمها بالسقي ، ثم يبعث ما بقي من الخبث ، والفضول إلى مغايض ومصارف قد أعدت لها فما كان من مرة صفراء بعثت به إلى المرارة ، وما كان من مرة سوداء بعثت به إلى الطحال ، وما كان من الرطوبة المائية بعثت به إلى المثانة فمن الذي تولى ذلك وأحكمه ، ودبره وقدره أحسن تقدير وأتمه . انتهى . فانظر لو قمت الليل وصمت النهار بقلب لا يغفل ، ولسان عن الذكر لا يعقل هل أديت شكر هذه النعمة ؟ ولا يذهب عنك أنه لو انسد مجرى من تلك المجاري الدقاق التي تنبعث منها تلك الأغذية لجف ما تؤديه إليه من الأعضاء ، والعروق ، والأعصاب كالشجرة التي حبس عنها الماء فليس للعاقل إلا الاعتراف بالعجز عن تأدية شكر أقل نعمة ، ومن حدث نفسه بغير العجز فقد أهلكها وحدثها بالمحال ، ولو أخذنا نتكلم على مصارف الأغذية وكيفية إنضاجها وتفرقتها في البدن لطال الكتاب وخرجنا عن المقصود ، ومن أراد ذلك فعليه بمفتاح دار السعادة ، فإنه تكفل بحل ذلك والله أعلم .

| مطلب : في استحباب تصغير اللقمة

: ويحسن تصغير الفتى لقمة الغذا وبعد ابتلاع ثن والمضغ جود ( ويحسن ) بمعنى يندب ويستحب ( تصغير الفتى ) أي كل آكل من ذكر وأنثى صغير وكبير ( لقمة الغذا ) أي لقم ما يتغذى به . قال في الآداب الكبرى يسن أن يصغر اللقم ويجيد المضغ . قال شيخ الإسلام ابن تيمية رضي الله عنه : إلا أن يكون هناك ما هو أهم من إطالة الأكل ، وقال الإمام ابن تيمية : رضي الله عنه على أن هذه المسألة لم أجدها مأثورة ، ولا عن أبي عبد الله رضي الله عنه مذكورة ، لكن فيها مناسبة ، وقال أيضا : نظير هذا ما ذكره الإمام أحمد من استحباب تصغير الأرغفة وذكر بعض أصحابنا استحباب تصغير الكبير وذلك عند الخبز وعند الوضع وعند الأكل انتهى . قلت : قد يستدل لتصغير الأرغفة بما روى البزار بسند ضعيف والطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه مرفوعا ﴿ قوتوا طعامكم يبارك لكم فيه ﴾ قال إبراهيم بن عبد الله بن الجنيد أحد رواته : سمعت بعض أهل العلم يفسر هذا قال هذا تصغير الأرغفة . وفي نهاية ابن الأثير : وحكي عن الأوزاعي أنه تصغير الأرغفة . قال في السيرة الشامية :

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٩٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٩٥