انتظامها , وعزو أخبارها , وكشف أسرارها , فجاء هذا الشرح كما أملته . وأعظم مما تخيلته , وقد سهرت الليالي في جمع مسائله , وبذلت مجهودي في تهذيب دلائله , ولم آل جهدا في زيادة تبيينه , وتوضيحه وتمكينه , وجمعه وتأليفه , وتحريره وتصنيفه , وعزوت غالبا كل قول لقائله , لأخرج من معرة تبعة مسائله . وإذا لم يستغرب الحكم لم أعزه اعتمادا على شهرته . ومن تأملهبالإنصاف ظهر له أنه نسيج وحده في معناه . وفريد عقده في معناه . | فهناك كتابا جمع فأوعى , وسفرا حوى من العلوم فصلا ونوعا . لو سافرت إلى صنعاء اليمن في تحصيله لما خابت سفرتك , ولو تاجرت فيه بأعلى بضاعتك لما خسرت تجارتك . وقد جلبت إليك فيه نفائس في مثلها يتنافس المتنافسون , وجليت عليك فيه عرائس إلى مثلها يبادر الخاطبون . فإن شئت اقتبست منه آدابا شرعية , وإن أحببت تناولت منه آثارا نبوية , وإن شئت وجدت فيه نكات أدبية , وإن رمت معرفة تهذيب النفس وجدت أدلة ذلك فيه وفية , أو معرفة أخبار الناس ظفرت فيه بشذرة علية . فيا أيها الناظر فيه , والمقتبس من معانيه , أحسن بجامعه الظن , وإن لم يكن من أهل هذا الفن , فإنه قد زف بنات أفكاره إليك , وعرض بضاعته عليك , فلك من تأليفه غنمه , وعليه غرمه ولك صفوه , وعليه عهدته وهفوه . فلا يعدم عنك أحد أمرين : إما إمساكا بمعروف , أو تسريحا بإحسان . | فإن المؤمنين كالبنيان , والكريم في نظره منصف , واللئيم متبجح ومتعسف . والله سبحانه يأبى العصمة لغير كتابه . والسعيد من عدت هفواته في جنب صوابه , والمنصف الكريم يعادل بالسيئات الحسنات , ويقضي على كل بحسبه من الأحوال والمقامات . | وقد نبه المصطفى على أن كفران الإحسان لؤم , وأخبر أن أكثر أهل النار النساء لكفرهن النعم . إن المرأة تحفظ السيئات , وتنسى الحسنات . ولهذا مثل حالهن بحامل خرج على كتفه أحد شقتيه صحيحة جعلها أمامه , والأخرى مخرقة جعلها خلفه . فإذا عمل الزوج معها حسنة جعلتها في الشقة التي إلى خلف , وهي مخروقة فتسقط منها فلا تراها بعد ذلك , وإذا عمل سيئة جعلتها بالتي أمامها وهي محروزة مضبوطة , كلما نظرت رأتها . وهذه حال جميع اللؤماء , يحفظون السيئات , ولا يذكرون الحسنات . | فنبتهل إلى الله سبحانه وتعالى أن يصون كتابنا هذا عمن هذه صفته , وهذا النعت نعته , وأن يجعله خالصا لوجهه الكريم , وسببا للفوز بدار الخلد والنعيم , وأن ينفع به من قرأه أو كتبه ونظر فيه , ودعا إلي بقلبه ولسانه وفيه . | إنه جواد كريم , رءوف رحيم . | وصلى الله على نبيه محمد الكريم , وعلى آله وأصحابه أجمعين . | ( وكان الخلاص ) من تسويده ضحى نهار السبت لست بقيت من ربيع الثاني سنة 1154 | هجرية على يد مؤلفه رحمه الله , وجعل الجنة متقلبه ومثواه , إنه على كل شيء قدير وبالإجابة جدير | آمين .
غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٤٧٣
النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.
غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٤٧٣
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي