تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بأس أن تظهر أثر نعمته عليك من غير كبر ولا عجب ولا خيلاء ، وإذا تقلص العيش فألزم نفسك الصبر والرضا بالقضاء وكن مطمئن القلب منشرح الصدر تكن من خير عباد الله . ولا بد في ذلك كله أن يكون اللبس لله فإن كان جميلا يكون إظهارا للنعمة ، وأن يرى عليه أثرها ، ولا يكون سبب لبسه أنه غار من غيره بأن رأى على غيره لباسا جميلا فغار منه ففعل مثله ، ولا يكون اللبس للشهرة ، ولا شك أن ثوب الشهرة تارة يكون غاليا له قيمة كثيرة وتارة يكون نازلا قليل الثمن له منظر غير حسن وهما الشهرتان وقد نهينا عنهما ، ولا وجه للمنافسة في الدنيا إذا كنت على بصيرة من أنها لا تعدل جناح بعوضة . فائدتان : ( الأولى ) تقدم أن السلف الصالح كانوا لا يردون موجودا ، ولا يتكلفون مفقودا ، بل كانت حالتهم التسليم للعليم الحكيم ، فإذا قدم إليهم الطيب لم يمتنعوا من تناوله ، وإذا حصل لهم الخشن لم يأنفوا من أكله وكذا اللباس ، وكل شئونهم كانت منطبقة على هذا الشأن . وهذا المراد بقول الناظم رحمه الله ولا تتعود لعادة يحصل لك إذا فقدتها بعض تألم أو ضرر ، فإن الطبيعة سراقة ، فمن ألف التنعم صعب عليه فراقه . فينبغي للعاقل أن يكون تارة هكذا وتارة هكذا ، وهذا شأن العبد مع سيده إن منحه شكر ، وإن منعه صبر . .

| مطلب : المعتبر من الإنسان المعنى والصفات لا الملابس والذات

. ( الثانية ) : المعتبر من الإنسان المعنى والصفات ، لا الملابس والذات . وقد روى البيهقي في الشعب عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله : صلى الله عليه وسلم ﴿ إن الله يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس ﴾ وروى أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ ليس البر في حسن اللباس والزي ولكن البر في السكينة والوقار ﴾ . وروى أبو القاسم الأصبهاني التيمي في الترغيب عن علي بن زيد بن جدعان قال : رأى علي سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى - جبة خز فقال لي : إنك حسن الجبة قلت وما تغني عني ، وقد أفسدها علي أبو عبد الله سالم يعني ابن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم ، قال لي أصلح قلبك والبس ما شئت . قلت : وقد أكثر الشعراء من أصحاب الرقاق والبلغاء وأصحاب الحكم والدقائق من هذا المعنى ، فمنه قول ابن الوردي في لاميته : خذ بنصل السيف واترك غمده واعتبر فضل الفتى دون الحلل لا يضر الفضل إقلال كما لا يضر الشمس إطباق الطفل فنصل السيف حديدته ، وغمده جفنه ، والحلل جمع حلة ، والطفل الظلمة من الليل

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ٢ · الصفحة ٢٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ٢ · ص ٢٦٨