| ثم قال : والذي يليق بهذا الموضع أن يقال : عادم البصر أشدهما ضررا ، وأسلمهما دينا وأحمدهما عاقبة . | وعادم السمع أقلهما ضررا في دنياه ، وأجهلهما بدينه ، وأسوأ عاقبة ، فإنه إذا عدم السمع عدم المواعظ والنصائح ، وانسدت عليه أبواب العلوم النافعة ، وانفتح له طرق الشهوات التي يدركها البصر ، ولا يناله من العلم ما يكفه عنها . | فضرره في دينه أكثر ، وضرر الأعمى في دنياه أكثر . | ولهذا لم يكن في الصحابة رضي الله عنهم أطرش ، وكان فيهم جماعة أضراء ، وقل أن يبتلي الله أولياءه بالطرش ، ويبتلي كثيرا منهم بالعمى . | فهذا فصل الخطاب في هذه المسألة ، فمضرة الطرش في الدين ، ومضرة العمى في الدنيا ، والمعافى من عافاه الله منهما ومتعه بسمعه وبصره ، وجعله الوارث منه . | انتهى . | والحاصل أن القلب أفضل الجوارح ، إذ هو الملك ، ثم اللسان ، ثم السمع لسعة إدراكه ، ثم البصر على اختلاف في الأخيرين كما ذكرنا . | وأما الأولان فلا خلاف فيهما فيما علمنا . | ولذا يلحق من عدم البيانين بيان اللسان وبيان الجنان بالحيوانات البهيمية ، بل هي أحسن حالا منه ، وإن عدم بيان اللسان وحده عدم خاصية الإنسان وهي النطق واشتدت المؤنة به وعليه ، وعظمت حسرته فطال تأسفه على رد الجواب ورجع الخطاب ، فهو كالمقعد الذي يرى ما هو محتاج إليه ولا تمتد يده إليه . | فجل شأن الله كم له من نعمة على عباده سابغة في هذه الأعضاء والقوى والمنافع ، فحكمته سبحانه بالغة . | وهذه مسألة شريفة قل أن تعثر عليها في كتاب ، والله أعلم بالصواب . |
| 3 ( مطلب هل الملكان يكتبان كل ما يتكلمه الإنسان ) 3
( المسألة الثالثة ) هل الملكان الكريمان الكاتبان يكتبان كل ما يتكلم به الإنسان ، أو لا يكتبان إلا ما فيه ثواب وعقاب ؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين مشهورين . | قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس رضي الله عنهما : يكتب الملك كل ما يتكلم به من خير أو شر ، حتى أنه ليكتب قول أكلت وشربت وذهبت وجئت ، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله فأقر منه ما كان فيه خير أو شر وألغي سائره ، فذلك قوله تعالى | ﴿ يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ﴾ وقد قال تعالى | ﴿ إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ﴾ قال الحافظ ابن رجب : وقد أجمع السلف الصالح على أن الذي عن يمينه يكتب الحسنات ، والذي عن شماله يكتب السيئات ، وقد روي ذلك مرفوعا من حديث أبي أمامة بإسناد ضعيف | وفي الصحيح ( إذا كان أحدكم يصلي فإنه يناجي ربه والملك عن يمينه ) .