تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

رسوله وبريده الذي يؤدي إليه الأخبار ، واللسان رسوله وبريده الذي يؤدي عنه ما يريد . | واقتضت حكمته سبحانه أن جعل هذا الرسول مصونا ، محفوظا مستورا غير بارز مكشوف كالأذن والعين والأنف ، لأن تلك الأعضاء لما كانت تؤدي من الخارج إليه جعلت بارزة ظاهرة ، ولما كان اللسان مؤديا منه إلى الخارج جعل مستورا مصونا لعدم الفائدة في إخراجه لأنه لا يأخذ من خارج إلى القلب . | قال وأيضا فإنه لما كان أشرف الأعضاء بعد القلب ، ومنزلته منه منزلة ترجمانه ووزيره ، ضرب عليه سرادق يستره ويصونه ، وجعل في ذلك السرادق كالقلب في الصدر . | فعلم من كلامه أن أشرف الأعضاء بعد القلب اللسان ، وهو كذلك . |

| 3 ( مطلب هل السمع أفضل أم البصر ؟ ) 3

وقال في موضع آخر : ولما كان للسمع والبصر من الإدراك ما ليس لغيرهما من الأعضاء كانا في أشرف جزء من الإنسان وهو وجهه . | واختلف في الأفضل منهما ، فقالت طائفة منهم أبو المعالي وغيره : السمع أفضل من البصر . | قالوا لأنه به تنال سعادة الدنيا والآخرة ، فإنها إنما تحصل بمتابعة الرسل وقبول رسالاتهم ، وبالسمع عرف ذلك ، فإن من لا سمع له لا يعلم ما جاءوا به . | وأيضا فإن السمع يدرك به أجل شيء وأفضله وهو كلام الله الذي فضله على الكلام كفضل الله على خلقه . | وأيضا إنما تنال العلوم بالتفاهم والتخاطب ولا يحصل ذلك إلا بالسمع ، ومدرك السمع أعم من مدرك البصر ، فإنه يدرك الكليات والجزئيات ، والشاهد والغائب ، والموجود والمعدوم ، بخلاف البصر فإنه إنما يدرك بعض المشاهدات ، والسمع يسمع كل علم ، فأين أحدهما من الآخر . | ولو فرضنا شخصين أحدهما يسمع كلام الرسول ولا يرى شخصه ، والآخر بصير يراه ولا يسمع كلامه لصممه هل كانا سواء ؟ وأيضا ففاقد البصر إنما يفقد إدراك بعض الأمور الجزئية المشاهدة ويمكنه معرفتها بالصفة ولو تقريبا بخلاف فاقد السمع ، فإن الذي فاته من العلم لا يمكن حصوله بحاسة البصر ولا قريبا منه . | وقد ذم الله سبحانه الكفار بعدم السمع في القرآن أكثر من ذمه لهم بعدم البصر ، بل إنما يذمهم بعدم البصر تبعا لعدم العقل والسمع . | وأيضا الذي يورده السمع على القلب من العلوم لا يلحقه فيه كلال ولا سآمة ولا تعب مع كثرته وعظمه ، بخلاف الذي يورده البصر عليه فإنه يلحقه فيه الكلال والضعف والنقص ، وربما خشي صاحبه على ذهابه مع قلته بالنسبة إلى السمع . | وقالت طائفة منهم ابن قتيبة : بل البصر أفضل ، فإن أعلى النعيم لذة وأفضله منزلة النظر إلى الله تعالى في دار الآخرة ، وهذا إنما ينال بالبصر ، وهذه وحدها كافية في تفضيله .

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ١ · الصفحة ٥٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ١ · ص ٥٩