تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

محترقة بحب الله ليس فيها سواه , فالشوق والوجد والهيجان والقلق كامن في قلوبهم كمون النار في الزناد , فلا تظهر إلا بمصادفة ما يشاكلها . | فمراد القوم فيما يسمعون إنما هو مصادف ما في قلوبهم , فيستثيره بصدمة طروقه وقوة سلطانه , فتعجز القلوب عن الثبوت عن اصطدامه , فتبعث الجوارح بالحركات والصرخات والصعقات لثوران ما في القلوب , لا أنه يحدث فيها شيئا . | قال أبو القاسم الجنيد قدس الله سره : السماع لا يحدث في القلب شيئا وإنما هو مهيج ما فيه فتراهم يهيجون من وجدهم , وينطقون من حيث قصدهم , ويتواجدون من حيث كامنات سرائرهم , لا من حيث قول الشاعر ومراد القائل , ولا يلتفتون إلى الألفاظ لأن الفهم سبق إلى ما يتخيله الذهن . | وشاهد ذلك كما حكي أن أبا حكمان الصوفي سمع رجلا يطوف وينادي ( يا سعتربري ) فسقط وغشي عليه فلما أفاق قيل له في ذلك فقال سمعته وهو يقول اسع تر بري , ألا ترى أن حركة وجده من حيث هو فيه من وقته لا من حيث قول القائل ولا قصده كما روى بعض الشيوخ أنه سمع قائلا يقول : الخيار عشرة بحبة , فغلبه الوجد فسئل عن ذلك فقال إذا كان الخيار عشرة بحبة فما قيمة الأشرار فالمحترق بحب الله لا تمنعه الألفاظ الكثيفة , عن فهم المعاني اللطيفة , فلم يكن واقفا مع نغمة ولا مشاهدة صورة . | فمن ظن أن السماع يرجع إلى رقة المعنى وطيب النغمة فهو بعيد عن السماع . | قالوا وإنما السماع حقيقة ربانية , ولطيفة روحانية , تسري من السميع المسمع إلى الأسرار , بلطائف التحف والأنوار , فتمحق من القلب ما لم يكن , ويبقى فيه ما لم يزل , فهو سماع حق بحق من حق . | قالوا وأما الحال الذي يلحق المتواجد , فمن ضعف حاله عن تحمل الوارد , وذلك لازدحام أنوار الطائف في دخول باب القلب , فيلحقه دهش فيبعث بجوارحه , ويستريح إلى الصعقة والصرخة والشهقة . | وأكثر ما يكون ذلك لأهل البدايات , وأما أهل النهايات فالغالب عليهم السكون والثبوت لانشراح صدورهم , واتساع سرائرهم الوارد عليهم , فهم في سكونهم متحركون , وفي ثبوتهم متقلقلون , كما قيل لأبي القاسم الجنيد رضي الله عنه : ما لنا لا نراك تتحرك عند السماع ؟ فقال | ﴿ وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب ﴾ ويحكى أنه سئل عن السماع ولأي شيء يكون الرجل ساكنا قبل السماع , فإذا سمع اضطرب وتحرك ؟ فقال : السماع خطاب الروح من الميثاق الأول حين قال | ﴿ ألست بربكم قالوا بلى ﴾ فسمع حين سمع لا حد ولا رسم ولا صفة إلا المعنى الذي سمع حين سمع , فبقيت حلاوة ذلك السماع فيهم , فلما أخرجهم وردهم إلى الدنيا ظهر ذلك فيهم , فإذا سمعوا نغمة طيبة وقولا حسنا طارت هممهم إلى ذلك الأصل , فسمعوا من الأهل , وأشاروا إلى الأصل . | قالوا فالعارف هو الذي سمع من الله , ومن لا يعرف الله كيف يسمع من الله , ومن لا يسمع من الله فالبهيمة خير منه ﴿ لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ﴾ . ( الأعراف : 179 ) .

غذاء الألباب شرح منظومة الأداب · الجزء ١ · الصفحة ١٢٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

غذاء الألباب شرح منظومة الأدابج ١ · ص ١٢٧