قال القلقشندي في صبح الأعشى: وملك بعده ابنه «مراد بك» وتوغل في بلاد النصرانية فيما وراء الخليج القسطنطيني في الجانب الغربي، وفتح بلادهم إلى أن قرب من خليج البنادقة، وصير أكثرهم أمراء ورعايا له، وأحاط بالقسطنطينية من كل جانب حتى أعطاه صاحبها الجزية، ولم يزل حتى قتل في حرب الصقالية سنة 791، وملك بعده ابنه أبو يزيد فجرى على سنن أبيه، وغلب على البلاد فيما بين سيواس وأنطالية والعلايا، ودخل بنو قرمان وسائر التركمان في طاعته، ولم يبق خارجا عن ملكه إلا سيواس التي كانت بيد قاضيها إبراهيم المتغلب عليها وملطية الداخلة في مملكة الديار المصرية، ولم يزل أبو يزيد حتى قصده «تمرلنك» بعد تخريب الشام في سنة ثلاث وثمان مئة وقبض عليه، فبقي في يده حتى مات، وملك بعده ابنه سليمان شلبي، وبقي حتى مات، وملك بعده أخوه محمد بن أبي يزيد بن مراد بن عثمان جق، وهو القائم بمملكتها إلى الآن. انتهى بتصرف.
قلنا: أيام زحف جنكيز خان على بلاد خوارزم جاء رجل يقال له «سليمان شاه بن كيالب» من بعض قبائل الأوغرز ومعه خمسين ألفا من قبيلته ونزل على شواطئ الفرات بين أرزنجان وخلاط، وذلك في سنة 1224 مسيحية، وتوفي سليمان شاه هذا غريقا في الفرات، وبعد وفاته رجع أكثر قومه إلى خراسان، وبقي منهم أربع مئة عائلة مع ولديه «دندار» و«أرطغول» وتقدم أرطغرل إلى الغرب. وكانت حصلت في ذلك الوقت حرب مع «علاء الدين السلجوقي» فخدمه أرطغول ونصره فأقطعه السلجوقي إقطاعات معلومة مكافأة له، ثم تقدم عنده فأقطعه بلادا على مقربة من «بني شهر» وولد لأرطغول ولد سماه عثمان، وكان عثمان يخطب ابنة شيخ من الأولياء اسمه «آده بالي» ووالدها يأبى أن يزوجه بها، فرأى يوما فيما يرى النائم أنه تزوج بملك خاتون ابنة الآده بالي وخرج من حجرها هلال وصعد إلى صدرها، ثم ظهرت من جوانبها شجرة عمت البر والبحر، إلا آخر ما تحدثوا عن هذا الحلم ... فلما أصبح الصباح قص رؤياه على الشيخ الآده بالي فأزوجه ابنته، وولدت له ابنه أورخان، وكان عثمان كبير أولاد أرطغرل، وكان المقدم عند سلطان قونية، فحسده الأمراء على حظوته عند السلطان، ثم ملك عثمان بلدة «قره حصار» وزاد السلطان في إقطاعه ومنحه حق ضرب السكة، وصار اسمه يقرن باسم السلطان في صلاة الجمعة، وكان المغول قد غزوا بلاد الأناضول سنة 1300 للمسيح، فانهزم علاء الدين الثالث الذي كان يقال له سلطان الروم، والتجأ إلى «ميشيل باليوغ» ملك القسطنطينية، فمات من حبسه وصار كرسي ملك الإسلام في الروم فارغا، فتولى عدة أمراء منهم: بنو قرمان ومنهم بنو قرمسي ومنهم بنو صاروخان ومنهم بنو ايدين ومنهم بنو حميد ومنهم بنو منتشه ومنهم بنو عثمان الذين كان بيدهم بني شهر وما والاها.
وكان عثمان شديد البأس صارما، وكان لا يزال للقسطنطينية قلاع وبلاد في الأناضول، فأرسل عثمان إلى قواد هذه القلاع يخيرهم بين الإسلام أو الخضوع له، وكان له صاحب من الروم اسمه ميشيل كيوز فأسلم، وأقطعه عثمان بلادا، وهذا هو جد عائلة ميكال أوغلو التي لها ذكر شهير في الدولة العثمانية، وخضع له بعض أمراء الروم وأدوا الجزية، ثم استولى ابنه أورخان على بورسة أخذها من أيدي الروم، وكانت أحصن بلدة في آسيا الصغرى، وذلك الفتح كان سنة 1326 مسيحية، ومات عثمان وحزن عليه قومه لأنه كان بطلا مغوارا، وهو الذي أسس هذا الملك فقيل الدولة العثمانية من ذلك الوقت، وكان زاهدا يقتدي بأصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن يدخر مالا، بل يوزع كل ما يدخل في يده على أصحابه، وكان يعيش في بيته من قطيع غنم لا يزال في ذريته حتى اليوم في نواحي بورسة.
بويع للسلطان عثمان مؤسس السلطنة السمانية في سنة 699 تسع وتسعين وست مئة، وقد كان الأدبالي الذي تزوج السلطان عثمان ابنته من علماء القرامان وتفقه في البلاد الشامية، وكان عاملا عالما عابدا زاهدا وكانوا يرجعون اليه بالمسائل الشرعية.