وكانت هذه الأناجيل الأربعة مكتوبة على ورق البردي، وما انتهى القرن الثاني حتى وجد منها ستون ألف نسخة! ويقال إنه يوجد اليوم 1077 مخطوطا من الأناجيل الأربعة، وأن أقدمها هو إنجيل تاريخه القرن الرابع عثر عليه «تشندورف» فى جبل سيناء في 4 فبراير 1859. انتهى.
ثم إن الدكتور بينيه سانغيليه تكلم عن قيمة الأناجيل التاريخية فنقل أكثر الأقوال المختلفة في هذا الموضوع، ورجح الرأي القائل بأن أصحابها كانوا قوما سذجا رووا الأمور على علاتها، وإنهم لو كانوا من أهل الصنعة والدهاء لم تقع في أناجيلهم الأغلاط والتناقضات التي وقعت. نعم إن سذاجتهم أوقعتهم في أخطاء كثيرة كما هو الشأن في كل ساذج يريد أن يروي قصة، لكن مما لا جدال فيه أنهم لم يضعوا أكاذيب من عندهم، وغاية ما هناك أن هوسهم كان يحملهم على نقل أشياء غير مطابقة للواقع.
فالقارئ يرى مما لخصناه هنا عن العهدين العتيق والجديد أن الاختلاف واقع في كل منهما؛ فالعهد العتيق قد أضاف إليه اليهود ما لا يليق بالكتب المنزلة بوجه من الوجوه كما تقدم الكلام عليه، فلم يكن التبديل منحصرا في تحريف الكلام، ولا في تأويله كما ذهب إلى ذلك ابن خلدون رحمه الله، هذا فضلا عما وقع من الاختلاف في الأقسام التي يجب أن تعد من التوراة، والأقسام التي يجب إخراجها منها.
وأما العهد الجديد فان التناقضات واقعة فيه من كل مكان، فمنه أناجيل رفضتها الكنيسة بالمرة، ومنه أناجيل لم ترفضها الكنيسة بالمرة ولكنها لم تدخلها في الكتب الكنسية المعول عليها، ومنها الأناجيل الأربعة التي قررت المجامع العمل بها، وليس رفض الكنيسة لبعض الأناجيل وبعض التواريخ المتعلقة بها بالعهد الجديد دليلا كافيا على عدم صحتها، لأن الكنيسة تنفي كل ما هو خارج منها عن عقيدتهم، ودليل ذلك أن ما ينفيه الكاثوليك مثلا قد يثبته البروتستانت، فالاختلافات بين الأناجيل المردودة والأناجيل المصدقة لا تكاد تحصى. وأهم من هذا أن الأناجيل المصدقة والمعول عليها هي أيضا لم تسلم من الاختلافات ولا من الأخطاء كما أجمع على ذلك العلماء الأوروبيون الذين محصوها.
وقد يعترف العلماء المسيحيون أيضا بوقوع الاختلاف فيها، لكنهم يردونه إلى التأويل ويجعلونه من الأعراض التي لا تمس جوهر الحقيقة، وهذا فيه نظر. وعلى فرص جواز هذا القول فإن وجوه الاعتراض الكثير الواقع على الأناجيل من جهة العلماء المدققين غير المؤمنين بالدين المسيحي إنما هي من مخالفة روايتها للسنن الطبيعية، ومن جهة كونها إنشاء جماعة إن لم يجز وصفهم بالكذب لم يجز وصفهم بالعلم، وها كله لا ينفي ما يجب من حرمة التوراة وتقديسهما وفقا لما في القرآن العظيم الذي يوجب لهما هذه الحرمة من حيث وجودهما الأصلي، ولكنه لم يضمن صحة نسخ التوراة ونسخ الإنجيل التي تعاورتها أيدي الناس بالحذف والتبديل بحسب الأهواء والله تعالى من وراء العلم.
| تاريخ العرب الأولين
تعليق على ما جاء في السطر 18 من الصفحة 23 من الجزء الأول من ابن خلدون
لا يزال المؤرخون عموما، والمتخصصون في تاريخ الأمم السامية، متفقين على كون تاريخ العرب القدماء غامضا، وأنه لا يزال مفتقرا إلى وثائق كثيرة تجلو حقيقته، ولقد عثروا على كتابات غير قليلة كشفت بعض نواح منه، إلا أن كثيرا من هذه الكتابات لا يزال مجهولا، وما دام هذا القسم من الكتابات لا يزال مغيبا فلا يزال تاريخ العرب الأولين ناقصا. والآن تجد معول المؤرخين في هذا التاريخ على بعض الكتابات التي تمكنوا من حلها في بلاد العرب، وعلى ما هو وارد في تواريخ الأمم الأخرى من بابليين وأشوريين ومصريين وعبرانيين ويونانيين ورومانيين، وكذلك على ما هو وارد عن علماء الإسلام بشأن عرب الجاهلية.
وقد جاء في الكتابات البابلية الخزفية التي عثروا عليها ما يدل على وجود ملك اسمه «مانيوم» كان ملكا على «ماغان» أو بلاد العرب الشرقية. ويظنون أن «ماغان» هذه هي معان، كما أنه ورد في محل آخر ذكر «ملوخ» الذي يظن أن منه اشتق اسم العمالقة. وكان السومريون ذوي علاقات مع هؤلاء. ثبت إذن وجود العمالقة في التاريخ منذ ألفين وخمس مئة سنة قبل المسيح. فأما الكتابات التي عثروا عليها في جزيرة العرب فهي ترجع إلى ألف سنة فأكثر قبل المسيح، وأكثر من خدم العلم في كشف هذه الكتابات المنقوشة على الصخور هو بحسب ما ورد بالانسكلوبيدية الإسلامية «يوسف هاليفى