وقد أمعن ابن خلدون في البحث عن أسباب اختلاف المشارب والأذواق في البشر، فهو يتساءل لماذا الزنوج مثلا تغلب عليهم الخفة والطرب؟ وقد بحث عن ذلك من قبله المسعودي صاحب التاريخ المسمى «مروج الذهب» فقال: إن هذا يوجد عند الأمم التي يسهل عليها القوت، بعكس الأمم التي تضرب في المناطق الباردة التي لا يسهل فيها إيجاد الغذاء. وضرب ابن خلدون مثلا مدينة «فاس» فقال: إنها لكونها محاطة بالبلاد الباردة تجد الواحد من أهلها سائرا وهو مطرق رأسه في الأرض يظهر للناس أنه حزين، وذلك من شدة تفكره في العواقب، وقد يبلغ فيهم الاحتياط للمستقبل أنهم يخزنون الحنطة اللازمة لهم إلى مدة سنين، وهم مع ذلك يذهبون كل يوم إلى الأسواق لابتياع لوازم معيشتهم! ثم قال: إن لأنواع الأطعمة تأثيرات متنوعة في طباع البشر، فمن الأقوام من يعيشون في أرضين دارة بالخيرات، وتتوافر لديهم الآلات، فتكثر عندهم الحبوب والثمار، بينما غيرهم يقل عندهم هذا النوع من القوت فيكتفون لأجل معيشتهم بلحوم المواشي وألبانها، وتقل عندهم الأخلاط. قال: وإن قلة الأخلاط تزيد الناس بسطة في العلم والجسم، فأجساد هؤلاء الشعوب أنعم وأقوى، وأكثر تناسبا، وعقولهم أسمى وأسرع استنتاجا، وأذهانهم أشد لحظا وثقوبا.
فالقناعة عند ابن خلدون وشظف العيش هما من أحسن الفضائل التي يكمل بها الإنسان. وهذا الفيلسوف غالب عليه الافتتان بسذاجة المعيشة، وبرغم أنه كان مترفا متبحرا في العلوم، عارفا بقدر الصناعات، تراه يحمد دائما معيشة البداوة، ويراها أقرب إلى الطبيعة البشرية، وهو يقول: إن البداوة أصل، والحضارة فرع وإن الأمصار إنما عمرت بأهل البادية، وإن هؤلاء هم أحسن أخلاقا من أهل المدن لأنهم يحمون أنفسهم بأنفسهم. والحال أن أهل المدن ينغمسون في النعيم ويتركون لولاة المدن مهمة حماية أنفسهم وأموالهم، فالمدن والحواضر تعيش في ظلال حامياتها وأسوارها، بينما سكان البوادي يأنفون من السكنى وراء الأسوار، وتحت خفارة الجنود، ويرون أنفسهم أكفأ للقيام بالدفاع عن أنفسهم وأموالهم، وهم دائما على حذر شديد لا يعرفون النوم إلا غرارا، لأنهم أبدا يلقون السمع حتى إذا سمعوا أقل نبأة هبوا مستعدين لمقابلة الخطر الواقع، وهكذا تصير فيهم هذه العادة طبيعة خامسة.
والذي يظهر من كلام ابن خلدون، أنه كان نزاعا إلى المجد، ميالا بطبيعته إلى الاستقلال وشمم الأنف، وهو يقول: إن الشعوب لا ينبغي أن تكون على العموم سلسة القياد، مسرعة إلى تأدية الضرائب للملوك، ويقول أيضا: إن القبائل التي ليس لها حظ من المدنية هي أقوم على فتح الفتوحات من غيرها، ولقد ساق الله تعالى بني إسرائيل إلى الصحراء وأخرهم في بادية التيه أربعين سنة حتى يعتادوا الاستقلال ويتمكنوا من فتح أرض الميعاد. وللدول عند ابن خلدون أعمار كأعمار البشر، فالدولة عنده تنشأ وتشب ثم تكتمل ثم تدخل في سن الشيخوخة - أي تهزم - ثم تأخذ بالتردي - أي أرذل العمر - وهو يعرض للدولة 120 سنة من نشأتها إلى انقراضها، وهنا قد قصر ابن خلدون كثيرا من آماد الدول. ثم يقول: عندما تنشأ الدول ينتقل الناس من البوادي إلى الحواضر، ويأخذون بعادات أهلها الذين يكونون تغلبوا عليهم؛ فلما تغلب العرب على فارس، وكانوا يجهلون مآخذ الحضارة ومنازعها، قيل إنهم وجدوا في مخازن كسرى أشياء لم يعرفوها، ووضعوا الكافور في العجين مكان الملح، ثم تعلموا دقائق المدنية شيئا فشيئا من الفرس، ولكن هذه الخشونة لا يطول في العادة أمرها، بل أولئك الذين كانوا من أبناء الصحراء تراهم ينقلبون من الخشونة إلى الترف، ولا يلبثون أن يتأنقوا في المأكل والمشرب، والملبس والمفرش، والمركب واتخاذ الآنية النفيسة، وامتهاد البسط الوثيرة، ولأجل إيجاد هذه الأسباب كلها لم يكن لهم بد من أنواع الصناعة، وإفنان الفنون، وكلما تعددت أسباب الترف تعددت الصناعات بقدرها.