وقد وفينا هذا الموضوع حقه في «حاضر العالم الإسلامى» بما لا حاجة إلى إعادته هنا، وأثبتنا ما في جملة «فصل الدين عن السياسة» من السفسطة التي لا تستند على شيء من الواقع، لأن جميع الحكومات الأوروبية التي جعلها الشرقيون هي المثل العليا في العالم، ولم يبق لهم عمل إلا أن يحطبوا في حبالها، وينسجوا على منوالها، لم تقدر أن تفصل الدين عن السياسة فصلا حقيقيا، وغاية ما هناك أنها فصلتهما فصلا إداريا لا غير، بحيث إن للأمور الدينية مراجع مخصوصة، وللأمور الدنيوية مراجع مخصوصة. وهذا ما هو أيضا في الحكومات الإسلامية. وقد كان في الدولة العثمانية كما يعلم كل احد، فالصدر الأعظم كان ينظر في الأمور السياسية والإدارية خاصة، وشيخ الإسلام كان ينظر في الأمور الشرعية والدينية خاصة، وكل من المرجعين كان يعود إلى السلطان.
وإذا نظرنا إلى أوضاع الدول الأوروبية نجد أن ملك إنجلترا مثلا هو في المركز نفسه، فكما أنه ملك الأمة الإنجليزية ومرجعها في الحكومة، فهو رئيس الكنيسة الإنكليكانية، وبالتالي فمرجع الإنجليز في العقيدة. ومثل ذلك قيصر ألمانيا الذي كان رئيسا للكنيسة اللوثيرية، فكانت له السلطة الروحية العليا لا تفترق في شيء عن سلطة الخليفة في الإسلام، وهي مجموعة فيه إلى السلطة الدنيوية التي تجعل في يده زمام الأمة الألمانية في الأمور الدنيوية. ولما آل أمر الألمان إلى الجمهورية - وهى مؤقتة - قام مقام القيصر في الأمرين رئيس الجمهورية الألمانية، وقد زعم بعضهم أن من الدول من فصل الدين عن السياسة بالمرة كفرنسا مثلا، والحقيقة أن فرنسا اتفقت مع الطبقة الإكليريكية على وضع نظام خاص يكفل راحة الفريقين، ولكن الحكومة لا تزال هي مرجع رجال الدين عند حدوث المشكلات لما تقدم من أن الدين والدنيا في المجتمع لا يستغني كل منهما عن الآخر. وليس في عصرنا هذا حكومات لادينية بالمعنى المفهوم من هذه اللفظة سوى ثلاث حكومات؛ إحداهما الروسية البلشفية والثانية الجمهورية المكسيكية، والثالثة الجمهورية التركية الكمالية. وما دامت الأمة الفرنسية تعلن عن نفسها أنها أمة مسيحية - يتجلى ذلك في جميع حركاتها وسكناتها - فيكون مخالفا للمحسوس الزعم بأن حكومتها في واد والكنيسة في واد! إذن فالإسلام لم يأت في هذا المعنى بوضع مبتدع، بل هي سنة الله في أرضه. وما دامت الأمم لا تستغني عن الأديان فملوكها وحكوماتها لا تستغني عن الجمع بين الدين والسياسة.
غير أن الإسلام في أصله يفترق عن غيره من الملل بأن الخلافة فيه وإن أشبهت الملك من جهة الأمر والنهي - على شرط مشاورة أهل الحل والعقد - فهي لا تشبه الملك في مزايا الترف وخصائص الابهة التي يجيزها ملوك الأمم الأخرى. وقد سبق لنا أن تعرضنا لهذا المقام في «حاضر العالم الإسلامى» فقلنا في صفحة 240 من الجزء الأول: «الخلافة في الإسلام ليست بملك ولا سلطنة، وإنما هي رعاية عامة للأمة لإقامتها على الشرع الحنيف، وردع القوي عن الضعيف في الداخل، وصيانة الإسلام ودفع المعتدي عليه من الخارج. وهي لا تنعقد إلا بإرادة الأمة، والسلطان الذي يؤتاه صاحب الخلافة هو من الأمة لا سلطان له عليها إلا منها. وقد فهم لوثروب ستودارد هذا الباب حق الفهم، وعرف الخلافة التعريف الصحيح، بخلاف كثير من الأوروبيين الذين يتبجحون بزعمهم أن مبدأ كون السلطان القومي من الأمة إنما هو من الأوضاع الغربية الأوروبية، قاتلهم الله ما أجهلهم بتاريخ الشرائع، وما أجرأهم على الخلط.
ومن أغرب الأمور أن كثيرا من الشرقيين - ومن المسلمين أنفسهم - يتابعون الإفرنج متابعة عمياء في هذا الوهم ولا يعلمون قاعدة الإسلام في هذا الموضوع. ولو تأملوا ما كان علية الخلفاء الراشدون الأربعة - وهو أشد صور الحكم الإسلامى انطباقا على الشرع - لرأوه أمرا شعبيا محضا، ووضعا ديمقراطيا بحتا، وأبعد شيء عن السلطان المطلق والقرآن الكريم في هذا صريح بقوله تعالى: