تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولولا آفة الانقسام هذه لكان التمسك بالأنساب هو من الفضائل الاجتماعية التي يتنافس بها، ويتمكن بها المصلحون لحكوماتهم وأوطانهم من ترقية أقوامهم بالبحث عن سلائلهم، والاعتناء بحفظ أصالتها ومنع اختلاطها بغيرها مما يشوب نقاوتها.

أفلا ترى كيف ثار الألمان في هذه السنين الأخيرة، وأوجدوا قضية النسب «الآري» ومنعوا بجميع الوسائل اختلاط «السامي» مع «الآري» بالمصاهرات حفظا للنسب الذي ينتمون إليه، والذي لا يرون لهم رقيا إلا به وضمن خصائصه وما فعلوا ذلك إلا بناء على نظريات علمية ثابتة، وهم وإن كانوا غلوا في هذا الأمر إلى حد أوجب انتقاد سائر الأمم لهم فلا يمكن أن يقال إن قاعدتهم هذه غير راجعة إلى أصل صحيح.

ونحن لو نظرنا إلى السبب في حفظ النسب لا نجده منحصرا في معرفة التاريخ ولا في الامتيازات المادية التي يحوزها أصحاب النسب في العادة، ولكن هناك غرض آخر أعلى من ذا وذا، وهو توارث الأخلاق التي تهتف بالفضائل، والأفعال المجيدة، تزكي الأنفس، فمن المعلوم أن أصل البيوت الشريفة هو أن يبرع أحد الناس على أقرانه، ويبذ أبناء زمانه بطبيعة ممتازة في نفسه قد تكون أسبابها النفسية مجهولة، وإنما تظهر آثارها في أفعاله فيمتاز بين قومه وتحصل له رئاسة وسؤدد، ويشيع ذكره، ويرتفع شأنه، وتتمنى الحوامل أن تلد مثله، وهذا ما يقال له المجد الطريف وبعد ذلك إذا أعقب نسلا اجتهد نسله أن يقتدوا به بقدر الإمكان، حتى يمتازوا بالأخلاق التي امتاز بها أبوهم، ويحوزوا مثلما حازه من الشرف والسؤدد، وتعب رهطهم في تقوية هذه الروح فيهم طمعا في استبقاء هذه الغرائز التي أورثهم إياها سلفهم، وهي التي تغريهم بالفضائل، وتبعدهم عن الرذائل، وترتفع بهم عن سفاسف الأمور ويقال لهذا المجد التليد.

ولهذا كان من العادة أنه إذا أقدم أحد أبناء البيوتات الكريمة على عمل خسيس كان أول ما يقرعه به الناس، ويهيبون به إلى التوبة منه؛ أن يقولوا له: أفلست أنت ابن فلان؟ أو من آل فلان؟ أيجمل بك أن تفعل ما هو كذا وكذا! فماذا تركت للسوقة والطغام؟ وأشباه هذه الأقوال التي تدل دلالة واضحة على أن الأصالة مفروض فيها أن تقترن بالنبالة، وبعبارة أخرى إن الأصيل في نسبه ينبغي أن يكون فاضلا في عمله، بارعا بأدبه. وما جاء على خلاف هذه القاعدة فيعد شاذا.

فإذا تقرر عندنا هذا تقرر أن حفظ الأنساب هو عبارة عن حفظ الفضائل وإمتاع المجتمع بها. ومتى كثرت الفضائل في المجتمع ترقت الأمة وعرجت في سلم النجاح، وأصبحت أمة عزيزة غالبة، لأن الأخلاق الفاضلة هي الأساس الذي يبنى عليه كيان الأمم.

وقد تقدم لنا أن الأوروبيين شديدو العناية بالأنساب، خلافا لما يتوهم الشرقيون، وأن الكفاءة في الزواج طالما كانوا يراعونها ولا يزالون يراعونها حتى اليوم، وإن كان قد خف ذلك التمسك القديم بعض الشيء، وذلك بأن النبلاء لا يزوجون بناتهم من الطبقات التي ليست في درجتهم. وأشد الأوروبيين منعة في هذا الأمر هم نبلاء الإنجليز، الذين يأتي الأمريكي المثري فيبذل القناطير المقنطرة من الذهب حتى ينال شرف مصاهرتهم، ولا ينالها إلا لأيا، وكل هذا لأجل أن «يستقطر بأنبيق ديناره دمهم الشريف في دن نسبه» كما قال أحمد فارس في «كشف المخبأ عن فنون أوروبا». وما قاله أحمد فارس من ثمانين سنة في هذا الموضوع لا يزال تصداقه جاريا إلى الآن.

وكذلك نجد النبلاء في ألمانيا وفرنسا وغيرهما محافظين على أنسابهم، مفتخرين بها، مستظهرين على صحتها بالكتب والوثائق والشجرات التي يعتقدونها مع أنفس أعلاقهم وذخائرهم، وكثيرا ما اجتمعنا بأناس من هؤلاء يرفعون أنسابهم إلى عهود بعيدة جدا، ويذكرون أن أصول عائلاتهم معروفة من ألف سنة، وألف ومائتي سنة، ولم نجد أشراف العرب أشد اعتناء بأنسابهم من نبلاء الإفرنج، وهم يزيدوننا في شيء واحد، وهي هذه الأشعرة (جمع شعار) التي تمتاز بها كل عائلة منهم وتحفظها في عهود متطاولة. ونحن العرب لا يوجد عندنا هذا الاصطلاح إلا ما ندر وأكثر ما يكون في الأعلام والرايات. فالعباسيون رايتهم السواد، والأمويون رايتهم بيضاء، والفاطميون رمزهم اللون الأخضر، وأمراء مكة رايتهم عنابية وما أشبه ذلك. فنحن نستظهر على حفظ أنسابنا بالتواريخ والوثائق والصكوك القديمة وكثيرا ما نثبتها بالمحاكم الشرعية، فأما أن تتخذ كل عائلة من بيوتات العرب شعارا خاصا تمتاز به كما هو الشأن عند الإفرنج فليس بمعهود، وإنما جرت العادات عند العرب بأن يتخذ عشائرهم أسماء خاصة يتنادون بها في ميادين القتال، فهؤلاء يقال لهم «إخوة بلجاء» وهؤلاء يقال لهم «إخوة شيخة» وأولئك يقال لهم «رعاة العليا» أو «فرسان الصباح» وما أشبه ذلك من الألقاب والكنى. فأما نبلاء الإفرنج فلا تكاد تكون منهم أسرة شهيرة بدون شعار تجد صورته على آنيتها ومواعينها وحلاها وفى كتبها، ويقال إن أصل هذا الاصطلاح عندهم هو من زمان الصليبيين.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٦