تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبينما كان جيشه يتقدم في آسيا إذ تجددت الحرب في بلاد المجر، وذلك أن الملك سابوليا كان أوصى امرأته إيزابيلا بقسيس اسمه «جورج مارتيموزي» فصارت تعمل برأيه، وكان هذا القسيس يشتغل لفصل الملكة إيزابيلا عن السلطان ولتأليفها مع الأمير فرديناند، وأقنعها بأن تترك له «ترانسلفانيا» و«اليانات» وكل ذلك لم يعلم به السلطان إلا فيما بعد، فلما بلغه الخبر سير ثمانين ألف مقاتل فعبرت نهر الطونة واستولت على ليبيا، واشتدت الوقائع ولكنها انتهت بظفر السلطان، وأرسل أحمد باشا على أثر الواقعة أربعة آلاف أنف من أنوف النمسويين إلى الأستانة ورجعت أطمشوار والبانات إلى حكم الدولة العثمانية، وأخذ العثمانيون البارون «غوندن دورف» أسيرا مع أربعة آلاف مقاتل.

ثم استولى فرسان مالطة على طرابلس الغرب، فأرسل السلطان الأسطول العثماني فطردهم منها وضم تلك البلاد إلى السلطنة العثمانية، وكان هنري الثاني بن فرانسيس الأول لا يقل رغبة عن أبيه في محالفة الدولة العثمانية، وفي سنة 1551 تعهد هنري الثاني للسلطان بتأدية ثلاث مئة ألف قطعة ذهبية بدلا عن مساعدة الأسطول العثماني لفرنسا، ورهن تحت ذلك جانبا من سفنه، واتفقا على أن السلطان ينجده بستين مركبا حربيا وخمسة وعشرين مركبا من مراكب القرصان، وأنه إذا أراد ملك فرنسا أن يستعمل هذه القوة البحرية خارجا عن بحر طوسكانة فعليه أن يؤدي مئة وخمسين ألف ذهب، وتقرر أن جميع السفن التي يغنمها الأسطول العثماني تكون ملكا للسلطان، وأن المدن التي يستولي عليها العثمانيون يصير رجالها وأموالها ملكا أيضا للسلطان، إلا أن المدن نفسها تصير لملك فرنسا. وتقرر أن الأسطول العثماني يكتسح ما شاء من ممالك شارلكان ويسبي بقدر ما يستطيع، وسار الأسطول العثماني بقيادة «طورغوت ريس» وانضم إليه الأسطول الفرنسي بقيادة «البارون لا غارد» فاكتسحا بلاد كالابرة وصقلية واحتلا كورسيكا ودانت لهما جميع المدن التي في تلك السواحل.

إلا أنه لم يلبث الخلف أن وقع بين الحلفاء لأن الفرنسيس اعترضوا على عدم حرمة العثمانيين للدم والدين والمال، فافترق الأسطولان، وغضب السلطان على طوروغوت وأرسل آخر بقيادة بيالي باشا، كان عدده سبعين بارجة حربية، ولكن هذه المرة أيضا لم يقع الوفاق بين أمراء الأسطولين. والفرنسيس يقولون إن قواد الترك لم يكونوا يفكرون إلا في النهب والسبي، وأرسل هنري الثاني إلى سفيره في القسطنطينية يقول له: إني مع الأسف لم أقدر أن أستفيد من عضد الجيش العثماني لي لا لعدم رغبة السلطان في ذلك، بل لاهتمام قواده بالغنائم دون الاهتمام بتنفيذ إرادة مولاهم. ومن بعد هذه الواقعة تصالح هنري الثاني ملك فرنسا مع فيليب الثاني ملك إسبانيا وملحقاتها، وعادت المحالفة التركية الفرنسية من ذلك التاريخ حبرا على ورق، لا سيما أن السلطنة العثمانية بعد السلطان سليمان بدأت بالتقهقر.

وكان السلطان سليمان في آخر حياته قد اختلف مع أولاده، لأن وزيره الأعظم «رستم باشا» وشى للسلطان على ولده مصطفى، وكان العسكر يحب مصطفى حبا جما لكرمه وشجاعته، وكان العلماء والأدباء يحبونه أيضا لاعتنائه بالعلم والأدب فزين رستم باشا للسلطان أن ابنه يريد أن يخلعه ويجلس مكانه، ووقر ذلك في نفس السلطان، فأمر بقتل ولده مصطفى في مخيمه وهو في الأناضول، وذلك في 21 سبتمبر سنة 1553 وكان مصطفى في بروسة فقتلوه أيضا، وبكت المملكة كلها على مصطفى لما كان له من المنزلة في قلوب الأمة، ولا سيما عند العلماء وعند العساكر - أي رجال السيف والقلم معا - وكان مصطفى شاعرا له أغزال لطيفة نشرها تحت اسم مستعار (مخلصي) وكان له تفسير للقرآن وتعليقات على البخاري وكتب نحوية. ورثاه الشعراء ولم يخشوا والده، وكان لمصطفى أخ اسمه «جهانغير» فمات حزنا على أخيه وثارت العساكر على السلطان وطلبت عزل الصدر الأعظم رستم باشا الذي كان الواشي بالأمير مصطفى، وكان السبب في هذه المأساة التي جرحت القلوب بأجمعها، وكان مرجع كل هذه الدسائس إلى السلطانة خورشتم التي كانت تهيئ العرش للأولاد الذين منها، وكان رستم باشا صهرها وهي التي في الحقيقة قتلت الصدر الأعظم إبراهيم باشا، ثم قتلت الصدر الأعظم أحمد باشا الذي كان قد خلف صهرها في الوزارة، وهي التي قتلت الأمير مصطفى ابن السلطان.

تاريخ ابن خلدون · الصفحة ١٠١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ ابن خلدونص ١٠١