تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما عبد الرحمن الغافقي، أمير الأندلس، فقد ذكر المقري في النفح نقلا عن ابن سعيد أنه كان من التابعين، تولى إمارة الأندلس في حدود العشر ومائة وهو من أبطال الإسلام المعدودين، كل ما ذكره المؤرخون من أخباره يدل على أنه كان من أفذاذ الرجال، جمع إلى الشجاعة والإقدام، العدل في الأحكام، والسهر على مصالح الأنام، وبعد النظر في السياسة.

قال المؤرخ «رينو» إنه كان مهتما بأخذ ثأر المسلمين عن الغزوات التي أصيبوا فيها في السنين الأخيرة قبل إمارته، وكان يفكر في حملة شديدة على فرنسة يدوخ بها هذه المملكة ثم يجتاز منها إلى إيطالية فألمانية فالقسطنطينية ويدخلها في حكم الإسلام، ولما كانت الحماسة الدينية في ذلك الوقت في إبان غليانها، وكانت الأندلس وفرنسة الجنوبية بخصب أراضيهما واعتدال هوائهما أصبحتا مقصدا للعرب من جميع الجهات، وكان يأتيها كل يوم رجالات أشداء من جزيرة العرب ومن جبال الأطلس، فقد كان الأمير عبد الرحمن الغافقي يمرن هؤلاء المجاهدين على استعمال السلاح ويثير فيهم نخوة القتال، وكان مقامه بقرطبة، ولكنه بقي مدة يطوف في الأندلس وينظر في مظالم العباد ويقتص من القوي للضعيف ويعزل الولاة الذين حادوا عن جادة الاستقامة ويتبدل بهم ولاة معروفين بالعدل والنزاهة، وكان يعامل المسلمين والمسيحيين على السواء تقريبا وعلى كل حال لم يكن يخرج في معاملة المسيحيين عن العهود المعقودة معهم.

وفي تلك الأيام كان المسلمون يوالون الغارات من أربونة وقرقشونة على البلدان المجاورة لهما، ولكن حصل حادث نفس من خناق المسيحيين بعض الشيء، وذلك أن القائد الذي كان في سردانة من جبال البيرانيه كان بحسب رواية إزيدور الباجي ولذريق شمينيس أحد أحلاس الحرب الإفريقيين الذين بالاتحاد مع العرب فتحوا الأندلس، وكان يسمى «مونوزه» وكان من ذوي البطش والشبا المرهوب، وكان في مبدأ أمره صارما جدا في معاملة المسيحيين، وأحرق حيا أسقفا اسمه «أنامبادوس» فلما وقعت الحرب بين البربر والعرب مال بطبيعة الحال إلى قومه البربر، واتحد مع «أود» صاحب جنوبي فرنسة الذي لأجل أن يتمكن منه أزوجه ابنته المسماة «لامبيجيه» وكانت فتاة بارعة في الجمال

178

بلغت شهرة عظيمة.

وقد روى «كوندي» الإسبانيولي هذه الحادثة بشكل آخر نقلا عن مؤرخي العرب، فجعل «مونوزه» هذا محرفا عن عثمان بن أبي نسعة

179

الذي تولى إمارة الأندلس مرتين، وكان ينافس عبد الرحمن الغافقي على الإمارة ويرى نفسه أولى بها، وروى «كوندي» أن ابن أبي نسعة هذا أصاب هذه الأميرة في إحدى غزواته فسباها في من سبا وهام بحبها نظرا لجمالها واتحد من أجلها مع «أود» أبيها، ثم لما حمله عبد الرحمن على شن الغارات في بلاد إفرنجة اعتذر «مونوزه» أو ابن أبي نسعة بوجوب مراعاة الميثاق الذي بينه وبين «أود» فلم يقبل عبد الرحمن منه هذا العذر وأصر عليه بالتعبية والزحف، فأسرع ابن أبي نسعة بتحذير حميه «أود» ليكون على أهبة ضخمة في وجه عبد الرحمن، فأرسل عبد الرحمن نخبة من جنوده إلى «البيرانه» وأمرهم بالقبض على ابن أبي نسعة حيا أو ميتا، فلما رأى هذا نفسه لا يقدر على الوقوف أمامهم فر ومعه زوجته الحسناء إلى الجبال، فتأثروه إلى حيث ثقفوه، وتغلبوا عليه واحتزوا رأسه وأرسلوا بالرأس إلى دمشق، وكذلك أرسلوا إلى دمشق الأميرة «لامبيجيه» التي دخلت في حرم الخليفة. روى هذه الحادثة أيضا إيزيدور الباجي ولذريق شيمينس، ثم رويا أن المسلمين الذين كانوا في جنوبي فرنسة كانوا قبل واقعة «پواتييه» غزوا مدينة «أرل».

قال «رينو»: وقد أشار مؤرخو العرب إلى هذا الحصار بدون تسمية هذه المدينة ولكن بوصفهم إياها بأنها مبنية على ضفاف نهر كبير هو أكبر نهر في تلك البلاد كانت تصعد به السفن من البحر، ويظن بعض مؤرخي الإفرنج أن حملة العرب على مدينة آرل لم تكن إلا خدعة يقصدون بها صرف نظر الإفرنج عن وجهة الحرب الحقيقية، وهي الجهة الشمالية، فإن عبد الرحمن بعد أن لبث نحوا من سنتين، يتأهب للزحف ويكتب الكتائب ويعبي الجنود، توجه إلى جبال البيرانيه، وكان جيشه جرارا يزج الأرض ويهتز شوقا إلى القتال، والأرجح أن مروره من هناك وقع في ربيع سنة 732، وقد جعل طريقه على أرغون ونابارة ودخل أرض فرنسة من أودية «بيغور»

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط · الصفحة ٣٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ غزوات العرب في فرنسا وسويسرا وإيطاليا وجزائر البحر المتوسطص ٣٣