وكان النرمنديون نزلوا من شمال فرنسة إلى جنوبها ثم شرعوا يتعقبونهم ويناجزونهم في إيطاليا ويفتكون منهم المدن، مدينة إثر مدينة، حتى ملكوا جميع البلاد الإسلامية في جنوب أوربا، ومما ساعدهم على ذلك تراجع أمر الدولة الصنهاجية أواخر حكم المعز بن باديس إثر الزحفة الهلالية التي سيرها إليهم العبيديون سنة 452 من مصر لتقويض معالم شمالي إفريقية.
ولم تقف أطماع النرمنديين على إزالة الحكم الإسلامي من أوربا، بل جنحوا إلى التغلب على المسلمين في مواطنهم الآمنة بإفريقية، فهجموا في سنة 476 على المهدية دار المملكة الصنهاجية بأسطول مؤلف من 300 مركب عليه 30 ألف مقاتل، وكانت المدينة مفتوحة غير محصنة فتغلبوا عليها وعلى زويلة، وأحدثوا فيها مقتلة ذريعة، وحرقوا وخربوا المعالم المشهورة وأخيرا صالحهم تميم بن المعز بن باديس على مائة ألف دينار وما انتهبوه من الأموال وسبوه من النساء والذراري.
ولما انتقل الحكم إلى الأمير حسن بن علي بن تميم بن المعز بن باديس سنة 516 أراد غسل العار الذي لحق الدولة من فعل النرمنديين ورد ما فقدته من الأقطار الواسعة في أوربا، فندب لذلك حليفه الأمير علي بن يوسف بن تاشفين اللمتوني صاحب العدوتين أن ينهد لقتال النرمنديين؛ فأغزى أسطوله شطوط أوربا الجنوبية، وكان بقيادة أبي عبد الله ميمون، فأثخن فيها قتلا وسبيا ورد أمم النصرانية على أعقابها بعد أن هلك من الطرفين عدد لا يحصى، ولم تخمد هذه الكارثة همم النرمانديين وتقعد بهم عن استئناف حملتهم على المهدية، فأعادوا الكرة عليها في أساطيلهم أواخر جمادى الأولى سنة 517 فتلقاهم آساد العرين في كل مكان وتخطفتهم السيوف حتى أبيدوا عن آخرهم، وغنم المسلمون مراكبهم وأسلحتهم وأموالهم، فكانت وقعة عظيمة أنعشت أرواح المسلمين بعد طول الخمود؛ ولكن الصليبيين لم يكفوا عن متابعة الغارة فأعادوا الكرة على المهدية سنة 543 فاحتلوها بعد وقائع مهولة وخرج منها السلطان حسن بن يحيى بن تميم بن المعز بن باديس بجملته وحاشيته إلى جزائر بني مزغناي (الجزائر) وجعل الصليبيون المهدية قاعدة لحركتهم الحربية في شمالي إفريقية وشن الغارة منها على ما يليها من الشطوط التي استولوا عليها، وقد مكثوا بها إلى أن أجلاهم عنها أمير المؤمنين عبد المؤمن بن علي في المحرم سنة 555 ولولا نجدته لكانت بلادنا اليوم بلادا نصرانية من غير شبهة. انتهى.
كتابات عربية على القبور الإسلامية في مالطة
بعد أن أتممنا كتابنا المتضمن غزوات العرب في فرنسة وسويسرة وإيطاليا وجزائر البحر المتوسط ومن جملتها جزيرة مالطة اطلعنا على رسالة للمستشرق الإيطالي (إيطوري روسي)
Ettore Rossi
الذي يعد من أعلم المستشرقين بأحوال مالطة إن لم يكن أعلمهم وهو الذي حرر الفصل المختص بمالطة في الإنسيكلوبيدية الإسلامية واجتمعنا مع الأستاذ المشار إليه في رومة في هذه الأيام الأخيرة وتباحثنا في تاريخ مالطة وكثير مما يتعلق بشؤونها وهو الذي قدم لنا رسالته هذه باللغة الإيطالية فأحببنا أن ننقل ما جاء فيها من الكتابات العربية التي وجدت على القبور الإسلامية في مالطة والتي جمعها إيطوري روسي وصورها بالفوتوغرافية ونشر صورها في الرسالة المذكورة فنحن آثرنا نقلها كما وجدناها في رسالته إتماما للفائدة.
ومما جاء في صدر هذه الرسالة أن نزول العرب في مالطة وقع بحسب الرواية المشهورة في سنة 256 للهجرة وأنه من المعلوم أن أبا الأغلب إبراهيم غزا جزيرة صقلية سنة 221 للهجرة أي 835-836 للمسيح واستولى عليها فغير معقول أن يكون استولى على صقلية وترك مالطة وهي أقرب إلى إفريقية من صقلية فلابد أن يكون استيلاء المسلمين على مالطة وقع قبل سنة 226 للهجرة وفق 869-870 للمسيح.