تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

3

ومضى متقدما ورجع من رجع منهم ليغسل عينيه ويرى بهما أن شوقي من النفس المصرية بمنزلة المجد المكتوب لها في التاريخ بحرب ونصر وما هو بمنزلة شاعر وشعره.» إلى أن قال: «ثم تولاه الخديوي عباس باشا وجعله شاعره، وتركه يقول:

شاعر العزيز وما

بالقليل ذا اللقب

وإذا أنت فسرت لقب شاعر الأمير هذا بالأمير نفسه في ذلك العهد خرج لك من التفسير شاعر مرهف معان بأسباب كثيرة، ليكون أداة سياسية في الشعب المصري تعمل لإحياء التاريخ في النفس المصرية وتبصيرها بعظمتها وإقحامها في معارك زمنها وتهيئتها للمدافعة.» وأحسن من قوله هذا قوله الآخر: «إن السياسة التي ارتاض بها شوقي ولابسها من أول عهده واتجه شعره في مذاهبها من الوطنية المصرية إلى النزعة الفرعونية إلى الجامعة الإسلامية، كانت سبب نبوغه ومادة مجده الشعري، وكانت هي بعينها مادة نقائصه فقد أبلته بحب نفسه وحب الثناء عليها وتسخير الناس في ذلك بما وسعته قوته إلى غيرة أشد من غيرة الحسناء تقشعر كل شعرة منها إذا جاءها الحسن بثانية، وهي غيرة وإن كانت مذمومة في صلته بالأدباء الذين لذعوه بالجمر، ونحن منهم، غير أنها ممدوحة في موضعها من طبيعته هو؛ إذ جعلته كالجواد العتيق الكريم ينافس حتى ظله، فعارض المتقدمين بشعره كأنهم معه، ونافس المعاصرين ليجعلهم كأنهم ليسوا معه، ونافس ذاته أيضا ليجعل شوقي أشعر من شوقي.»

شكيب أرسلان

| قبيل وفاة شوقي

هذا ولما اجتمعت بشوقي في السويس آتيا من القاهرة إليها لزيارتي، وكانت وا أسفاه الملاقاة الأخيرة بيننا لحظت عليه آثار الضعف بادية، وكأنما كان أكبر من سنه بعشر سنوات على الأقل، وعجبت من أن تنال الشيخوخة منه هذا النيل وبين الإخوان الذين كانوا قد اجتمعوا هناك من هم أعلى سنا بكثير، ولم يتقوس لهم ظهر، ولم يتغضن لهم جبين، ولم يأخذ منهم الدهر ما أخذ من شوقي، فشعرت في نفسي بالخوف على صحته ورأيته قد سبق سنه بمسافة طويلة. فبعد أن تفارقنا كنت لا أزال أترقب أخبار صحته وأتمنى لو يأتي إلى سويسرة فأشاهده، وما زلت أتحسر على تلك الفرقة وأنشد قول العباس بن الأحنف:

سبحان رب العلا ما كان أغفلني

عما رمتني به الأيام والزمن

من لم يذق فرقة الأحباب ثم يرى

آثارهم بعدهم لم يدر ما الحزن (1) خبر وفاته

وبينما أنا في أحد أيام أكتوبر سنة 1932 ميلادية أقرأ جريدة الطان، إذ وقعت عيني على خبر وفاة كبير الشعراء في مصر، ووقع في اسم «شوقي» خطأ فهلعت لهذا الخبر واضطربت أعصابي، وقلت لا يكون هذا الفقيد غير شوقي، وثاني يوم تحققنا الخبر وكان يوما له هوله، ولما جاءت جريدة «الجهاد» علمت منها أن أمير الشعراء فصل من هذه الدنيا إلى رحمة ربه في منتصف الساعة الرابعة من صباح الجمعة 14 جمادى الآخرة سنة 1351 وفق 14 أكتوبر سنة 1932، وقد أبنه الأستاذ البليغ توفيق دياب بعبارات متناسبة مع علو مقامه في الأدب، لكني استنشقت منها رائحة مؤاخذة بعضهم للفقيد في السياسة، فإنه يقول: «إن الذي سيهم الوارثين لآثار شوقي من عشاق الأدب في الأمم العربية هو نفاسة ما ترك من كنوز عبقريته وذخائر أدبه فهذه هي الباقية، أما ما عداها مما كان لشوقي أو عليه في أيام العمر الفانية فقد انقضى أمره بانقضاء الأجل، فليقل من يشاء في دنيويات شوقي ما يشاء، ولكن للأدب دولة عالية العروش سينادي منادي الخلود من فوق منارتها العليا: لقد مات أمير الشعراء غير منازع. لقد مات شوقي. فليبكه المصريون وليبكه العرب في كل بلد عربي أو يقطنه عربي ويبكه المسلمون في أنحاء المعمور؛ فقد كان شوقي شاعر العربية وشاعر الإسلام، وكان أثمن درة في تاج الأدب.»

وكان حافظ رحمه الله قد قضى نحبه قبل ذلك بأشهر ورثاه شوقي رثاء موجع القلب وكأنما كان ينعى نفسه، ولم يكن حافظ في حياته شديد الخلطة بشوقي، بل ربما غلبت المنافسة على العلاقات بينهما، إلا أن حافظا بايع شوقي في يوم عيده، وإذا كان حافظ إبراهيم وهو طريد شوقي في الشعر والمزاحم له بالمنكب، ومن الناس من يفضله على شوقي، قد بايع لخصمه فلا مشاحة أنها قد تقطعت عن منافسة شوقي أنفاس النظراء وأنه قد انتهت إليه رئاسة الشعراء. (2) قصيدة المؤلف في رثاء شوقي

شوقي: صداقة أربعين سنة · الصفحة ٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شوقي: صداقة أربعين سنةص ٤٢