أبوء بصدق القول غير مفند
وإلا فما حاولت إدراك غاية
بشعري ولا نظم القصائد مقصدي
أي لم أنظم هذا الشعر إلا للقيام بفرض الشكر على انعطاف الجناب الخديوي نحوي ولست باغيا على ذلك مكافأة، وبعد أن عرفت شوقي في باريس وتذاكرنا الشعر والشعراء وجدته معجبا بقصيدتي التوفيقية هذه، وقال لي: إنها تركت في ذلك الوقت رنينا في وادي النيل.
| أول ما قرأت لشوقي
خرجت إذن من مصر في أواخر سنة 1890 وأنا لا أسمع بشاعر اسمه شوقي في مصر، وكنت أوانئذ أراسل جريدة الأهرام، وكان صاحب الأهرام يكاتبني كثيرا ويبني كثيرا من الآراء على ملاحظاتي وإذا أرسلت إليه بمقالة جعل عنوانها «لأحد الأفاضل السياسيين»، فإذا راجع القارئ أهرام سنة 1890 والتي بعدها وجد بقلم «أحد الأفاضل السياسيين» فصولا سياسية كثيرة، وبينما كنت أطالع الأهرام في ذات يوم وقع نظري على أبيات لامية في مدح الخديوي توفيق فيما أذكر قال عنها الأهرام إنها من نظم «أحمد أفندي شوقي»، ولما كان هذا الناظم مجهولا عندي لم أشأ أن أضيع وقتي بقراءة تلك الأبيات فلم أعلم منها كثيرا ولا قليلا، إلا أنه لم يطل الأمر حتى قرأت شعرا آخر لهذا الذي يقال له أحمد أفندي شوقي، فجربت هذه المرة أن أقرأه فلما قرأته لم أمجه ووجدته من الشعراء الذين يقال فيهم «من حقه أن تسمعه»؛ فقد قالوا كما لا يخفى:
الشعراء في الزمان أربعة
فشاعر يجري ولا يجرى معه
وشاعر ينشد وسط المعمعة
وشاعر من حقه أن تسمعه
وشاعر من حقه أن تصفعه
ولم يطل الأمر أيضا حتى قرأت لأحمد شوقي هذه القصيدة الآتية في مديح الجناب الخديوي:
إن الوشاة وإن لم أحصهم عددا
تعلموا الكيد من عينيك والفندا
لا أخلف الله ظني في نواظرهم
ماذا رأت بي مما يبعث الحسدا
هم أغضبوك فراح القد منثنيا
والجفن منكسرا والخد متقدا
وصادفوا أذنا بيضاء لينة
فأسمعوها الذي لم يسمعوا أحدا
لولا احتراسي من عينيك قلت ألا
فانظر بعينيك هل أبقيت لي جلدا
الله في مهجة أيتمت واحدها
ظلما وما اتخذت غير الهوى ولدا
وروح صب أطال الحب غرتها
يخاف إن رجعت أن تنكر الجسدا
دع المواعيد إني مت من ظمأ
وللمواعيد ماء لا يبل صدى
بالله رد على العباس شاعره
بنظرة واتخذها في الزمان يدا
من للعزيز يناجي روض نعمته
إن أسكت الدهر هذا الطائر الغردا
إلى آخر ما قال في ذلك اليوم. فتلوت القصيدة من أولها إلى آخرها ومن شدة ما طربت لها أعدت قراءتها مرارا، وعلمت أن هناك شاعرا مطبوعا وأيقنت أن في تلك المغارة أسدا، وصرت كلما عثرت على شعر لأحمد شوقي أتهافت عليه تهافت الظمآن على نمير الماء؛ لأني رأيت فيه الشاعرية بجميع شروطها: النسج الرقيق المتين، والأسلوب الرشيق الرصين، اللغة العربية الفصحى التي لا تؤتى من جهة والمعنى المتناهي في الدقة اللابس من اللفظ أجمل حلة، والانسجام المطرد من الأول إلى الآخر في سكب واحد وسبك متوارد، فعند ذلك حكمت بأن هذا الشاعر سيكون من شعراء العصر وإن لم أصل في الحكم إلى أنه سيكون أمير شعراء العصر، وأذكر الآن أني كنت اطلعت له على قصيدة قبل هذه في مدح الخديوي توفيق يهنئه فيها بشهر الصيام لم تكن أقل رقة وانسجاما من القصيدة الدالية المار ذكرها، وهي التي يقول فيها:
يا حسنه بين الحسان
في شكله إن قيل بان
كالبدر تأخذه العيو
ن وما لهن به يدان
ملك الجوانح والفؤا
د ففي يديه الخافقان
ومناي منه نظرة
فعسى يشير الحاجبان
فيها يزكي حسنه
من لا له في الحسن ثان
خلوه يعدل أو يجو
ر فإنه ملك العنان
حق الدلال لمن له
في كل جارحة مكان
يا أصغري بأي آ
لاء العزيز تكذبان
ملك يداه بالندى
لعفاته مبسوطتان
الناس تشترط الغنى
وعلى مكارمه الضمان
ماضي الإشارة والبدي
هة والعزيمة والجنان
قالت له الآباء كن
في المجد ما كنا فكان
ولمجده من نفسه
نجم تسامى عن مدان