تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن الأمثال التي تدلك على غلوهم في هذا الباب أن جرير بن عطية الشاعر وكان من تميم قال في إحدى مفاخراته للأخطل التغلبي :

إن الذي حرم المكارم تغلبا    جعل النبوة والخلافة فينا

مضر أبي وأبو الملوك جميعهم    فاعلم فليس أبوكم كأبينا

هذا ابن عمي في دمشق خليفة    لو شئت ساقكم إلي قطينا

فلما بلغ ذلك عبد الملك بن مروان الخليفة الأموي ضحك ، وقال : ما زاد ابن الفاعلة على أن جعلني شرطيا عنده!! ثم قال وقد نبض به عرق العصبية لمضر : أما والله لو شاء لسقتهم إليه.

ولم يكن ليفت في عضد هذه العصبية الغالية سوى العقيدة الإسلامية التي جعلت الإسلام هو العروة الوثقى وجعلت أخوته فوق كل رابطة. ولذلك قيل : إن العرب لم يكونوا ليتحدوا في يوم من الأيام إلا بالإسلام ، ولو لا الإسلام لبقوا شعوبا وقبائل يقتتلون في جزيرة العرب إلى يوم القيامة ، وبأسهم أبدا بينهم ، فلما جاء الإسلام ووحد بينهم في الدين ، وقال الله تعالى : ( 013 واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا ) [آل عمران : 103] لم يلبثوا أن خرجوا من جزيرة العرب بقوة الاتحاد ؛ ففتحوا نصف العالم في ثمانين سنة ، ولم يقف في وجههم شيء.

ولكن بعد أن بعد عهدهم بعهد النبوة وخلافة الراشدين ؛ ضعفت فيهم العقيدة التي كانت هي مدار العمل عند سلفهم ، وعادت فتجددت بينهم العصبيات الموروثة عن الجاهلية ، فرجعوا يقتتلون على المضرية واليمنية في الإسلام ، كما كانوا يقتتلون قبل الإسلام ، ورجع بذلك زرعهم هشيما ، وبدرهم عرجونا قديما.

فكما أن الأنساب كانت تثير فيهم الحمية والنخوة ، وتبعث روح التنافس الحافز لهم على طلب المجد ؛ كانت تثير بينهم أيضا العداوات والفتن ، التي تصدع وحدتهم ، وتخمد في النهاية جمرتهم ، فأضرت من حيث نفعت.

Rihla Hijaziyya · الصفحة ٤٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

Rihla Hijaziyyaص ٤٢٦