ولقد اهتممنا بهذا الموضوع عمدا؛ لما نحسه من تحرج صدور الأوروبيين بكثرة عدد المسلمين، واجتهاد الدول الاستعمارية بخاصة أن ينقصوا من عددهم، ويخسروا من وزنهم، فمحصنا هذا البحث عدة مرات؛ لما نشعر من نيتهم هذه.
ثم نعود إلى قضية إصلاحات الحجاز؛ فنقول: إن من جملة التقارير الوافية في هذا الموضوع تقريرا محررا بقلم المهندس المحقق السيد حسن البهتيمي الذي يتكلم على تحويل مجرى السيل عن مكة، وعلى تحسين طريق المسعى بين الصفا والمروة، وتحسين طريقة ورود المياه بعرفات من عين زبيدة، وإنارة البلد الأمين بالكهرباء، وتقريرا آخر في هذه المسائل نفسها من قلم السيد مصطفى ماهر رئيس مهندسي مياه الجيزة والجزيرة بمصر ذهب فيه إلى أنه بعد أن يتم إصلاح توزيع عين زبيدة وعين حنين التي يتفرغ منها المجرى المسمى بعين الزعفران؛ يجب أن يباشر الحفر في سائر الآبار والأودية التي هي مظان مياه غزيرة تفيض عن حاجة مكة من جهة شرب الشفة، وتكفي للزراعة والبساتين؛ قال: ومشروع المياه سيكون مفتاحا للبحث عن هذه الكنوز الأرضية.
وتكلم المهندس المشار إليه عن بئر زمزم؛ وقال: إن في مائها أملاحا نافعة كأملاح المياه التي يستشفى بها في أوروبا؛ فهي من هذه الوجهة صالحة لتوضع في زجاجات معقمة مقفلة وتحمل إلى الخارج وتباع فيكون منها ربح جزيل.
ثم أشار بالوسائل اللازمة لصيانتها من الجراثيم الضارة، وأن يتولى عالم بكتريولوجي دوام تحليلها؛ ليكون تعقيمها تاما.
وتكلم عن عملية مياه عين زبيدة وبناء الخزانات اللازمة بتفاصيل ليس هنا مكانها.
وأصحب التقرير بالرسوم التي توضح كل شيء، وأشار إلى إنارة مكة بالقوة الكهربائية وما فيها من أرباح وفوائد؛ وذلك كما قرره المهندسون الآخرون، ولكل وجهة هو موليها.
وفي تقرير المهندس الكبير السيد مصطفى ماهر كلام خاص بالمدينة المنورة التي هي جنة من جنان الأرض، وفيه وصف مياهها العذبة الغزيرة، وحدائقها الغناء، وقد ختم تقريره الشائق بقوله:
وإني أسأل الله أن يوفق عباده المؤمنين إلى مد يد المعونة إلى الأراضي المقدسة قبلة المسلمين، كل فيما يقدر عليه؛ للتيسير على أهلها، والاحتفاظ لهذه البقاع الطاهرة بما يليق بها من الجلال والوقار. ا.ه.
وتنتهي مجموعة هذه المباحث - التي أعظم اليد في إجرائها لطلعت باشا حرب - بالتقارير الصحية الجلية الوافية من قلم العلماء المتخصصين السادة: محمد حسن العبد، ومصطفى ماهر، وحسن حسني راشد الكيمائي بوزارة الصحة المصرية، وحسن البهتيمي وكيل القلم الفني ببنك مصر.
وفي هذه التقارير التحليلات المفصلة الدقيقة لمياه بئر زمزم، ومياه عين زبيدة، ومياه عين الزعفران في مكة، وعين الزرقاء في المدينة المنورة، مع التواصي الفنية اللازمة للاستفادة منها.
ولما كانت هذه المجموعة قد نشرت وتوزعت اكتفينا منها بلمحة دالة في هذه الرسالة؛ سائلين الله أن يوفق كلا من الدولتين العزيزتين: المصرية، والسعودية، إلى إتمام هذه الإصلاحات الجليلة بحذافيرها، فإن الإصلاح واجب في كل مكان، فكيف البقاع المقدسة؟!
| هوامش
| خلاصة الجواب
| أن المسلمين ينهضون بمثل ما نهض غيرهم
بقلم شكيب أرسلان
لوزان 11 نوفمبر سنة 1930
إن الواجب على المسلمين - لينهضوا ويتقدموا ويتعرجوا في مصاعد المجد، ويترقوا كما ترقى غيرهم من الأمم - هو الجهاد بالمال والنفس الذي أمر به الله في قرآنه مرارا عديدة، وهو ما يسمونه اليوم (بالتضحية).
فلن يتم للمسلمين ولا لأمة من الأمم نجاح ولا رقي إلا بالتضحية، وربما كان الشيخ محمد بسيوني عمران أو غيره من السائلين عن رأينا في هذا الموضوع قد ظن أني سأجيبه أن مفتاح الرقي هو قراءة نظريات (أينشتين) في النسبية مثلا، أو درس أشعة (رونتجين)، أو ميكروبات (باستور)، أو التعويل في اللاسلكي على التموجات الصغيرة أكثر من الكبيرة، أو درس اختراعات (أديسون)، وأن سبب حادثة المنطاد الإنكليزي الذي سقط أخيرا واحترق هو كونه لم ينفخ بالهليوم وإنما بالهيدروجين، والحال في الهيدروجين - وإن كان أخف في الوزن - قابل للاشتعال، وإنه لا خوف من اشتعال الهليوم - وإن كان أثقل شيئا من الهيدروجين - وما أشبه ذلك.