تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

7

وكم جرى تدريس هذه العلوم في الأزهر الأموي والزيتونة والقرويين وقرطبة وبغداد وسمرقند وغيرها عندما كان للإسلام دول كبار وأعاظم رجال، وكم نبغ في الإسلام من عظماء جمعوا بين الحكمة والشريعة، ونظموا بين الحديث والرياضة، وإن أكبر فيلسوف عربي اشتهر اسمه في أوروبة هو القاضي ابن رشد؛ وقد كان من أكابر الفقهاء.

| هوامش

| مدنية الإسلام

أما زعم من زعم أن الإسلام لم يتمكن من تأسيس مدنية خاصة والاستدلال على ذلك بحالته الحاضرة، فهو خرافة يموه بها بعض أعداء الإسلام من الخارج، وبعض جاحديه من الداخل، أما القسم الأول فلأجل أن يصبغوا المسلمين بالصبغة الأوروبية، وأما القسم الثاني فلأجل أن يزرعوا في العالم الإسلامي بذور الإلحاد، ونحن لا ننكر تأثير الدين في المدنية، ولكننا لا نسلم بأنه يصح أن يكون لها ميزانا؛ وذلك لأنه كثيرا ما يضعف تأثير الدين في الأمم فتفلت من قيوده، وتفسد أخلاقها، وتنهار أوضاعها، فيكون فساد الأخلاق هو علة السقوط، ولا يكون الدين هو المسئول، وكثيرا ما تطرأ عوامل خارجية غير منتظرة فتتغلب على ما أثلته الشرائع من حضارة، وتزلزل أركانها، وقد تهدمها من بوانيها، ولا يكون القصور من الشريعة نفسها، فتأخر المسلمين في القرون الأخيرة لم يكن من الشريعة؛ بل من الجهل بالشريعة، أو كان من عدم إجراء أحكامها كما ينبغي، ولما كانت الشريعة جارية على حقها كان الإسلام عظيما عزيزا.

وأي عظمة أعظم مما كان الإسلام في أيام عمر بن الخطاب مثلا.

ومدنية الإسلام قضية لا تقبل المماحكة؛ إذ ليس من أمة في أوروبة سواء الألمان أو الفرنسيس أو الإنكليز أو الطليان ... إلخ، إلا وعندهم تآليف لا تحصى في (مدنية الإسلام) فلو لم تكن للإسلام مدنية حقيقية سامية راقية مطبوعة بطابعه، مبنية على كتابه وسنته، ما كان علماء أوروبة حتى الذين عرفوا منهم بالتحامل على الإسلام يكثرون من ذكر المدنية الإسلامية، ومن سرد تواريخها،

1

ومن المقابلة بينها وبين غيرها من المدنيات، ومن تبيين الخصائص التي انفردت بها.

فالمدنية الإسلامية هي من المدنيات الشهيرة التي يزدان بها التاريخ العام، والتي تغص سجلاته الخالدة بمآثرها الباهرة.

وقد بلغت بغداد في دور المنصور والرشيد والمأمون من احتفال العمارة، واستبحار الحضارة، وتناهي الترف والثروة، ما لم تبلغه مدينة قبلها ولا بعدها إلى هذا العصر، حتى كان أهلها يبلغون مليونين ونصف مليون من السكان، وكانت البصرة في الدرجة الثانية عنها، وكان أهلها نحو نصف مليون.

وكانت دمشق والقاهرة وحلب وسمرقند وأصفهان وحواضر أخرى كثيرة من بلاد الإسلام أمثلة تامة وأقيسة بعيدة في استبحار العمران، وتطاول البنيان ورفاهة السكان، وانتشار العلم والعرفان، وتأثل الفنون المتهدلة الأفنان.

وكانت القيروان وفاس وتلمسان ومراكش في المغرب أعظم وأعلى من أن يطاولها مطاول، أو يناظرها مناظر، أو أن يكاثرها مكاثر في ممالك أوروبة حتى هذه القرون الأخيرة.

وكانت قرطبة مدينة فذة في أوروبة لا يدانيها مدان، وكان عدد سكانها نحو مليون ونصف مليون نسمة، وكان فيه نحو سبع مئة جامع، عدا المسجد الأعظم الذي لما زرته في هذا الصيف قال لي المهندس الذي كان معي من قبل الحكومة الإسبانيولية: إنه يسع بحسب مساحته خمسين ألف مصل في الداخل و30 ألف مصل في الصحن، فجملة من يسعهم هذا المسجد العجيب ثمانون ألفا من المصلين.

ولما ذهبنا إلى آثار قصر الزهراء رأيناها آثار مدينة لا آثار قصر واحد، وعلمنا أنها تمتد على مسافة تسع مئة متر طولا في ثمان مئة متر عرضا، والإسبانيون يقولون: مدينة الزهراء.

وقال لي المهندسون الموكلون بالحفر على آثارها: إنهم يرجون الإتيان على كشفها كلها من الآن إلى خمسين سنة.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ · الصفحة ٢٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

لماذا تأخر المسلمون؟ ولماذا تقدم غيرهم؟ص ٢٣