وذلك أنه صار إلى المعتضد بن عباد وكان زوج أخته؛ فشكا إليه بثه، ودبر معه أمره، وقد وقع في نفسه الفتك بأخيه علي، فوجه المعتضد معه إلى مدينة دانية غلاما من غلمانه شجاعا، وجاء حسن معه على وجه الزيارة لأخيه، فدبر معه الرأي في غدر أخيه وزير أبيه في أي وقت ويوم يكون، فكان اتفاقهم على حين خروجه من صلاة الجمعة، وكانت عادته إذا خرج سار إلى ساحل البحر، فيقف عليه ساعة ثم ينصرف. وكان إذا ركب يكون حسن أخوه وراءه، فلما انصرف أخذ في زقاق ضيق، فعندما دخل فيه غمز غلام ابن عباد لحسن بن مجاهد أن يجرد السكين ويضرب به أخاه؛ فجرده وضربه ضربة دهش فلم يصنع بها شيئا، ثم ثنى عليه بضربة أخرى فلقيه أخوه بيده اليسرى، وأراد الغلام أن يطعنه بالرمح الذي كان بيده فحاول تقليبه إليه؛ فنشب في الحائط لضيق الزقاق، وندر بعض فتيان علي بن مجاهد فقتلوا الغلام، وفر حسن هذا على وجهه راكضا فرسه، ووقعت هوشة في الناس ودهشة ولم يعرفوا خبر الكائنة.
وخرج حسن فارا من باب المدينة يقول: غدرنا يا مسلمين، إلى أن وصل بلنسية وبها زوج أخته عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي عامر وقد خاب أمه، وحمل علي بن مجاهد إلى قصره على حاله؛ فأقام بقية يومه مطرحا لا يتكلم إلى غد ذلك اليوم، ثم عانى نفسه حتى رجعت قوته. وخرج ذلك الغادر من مدينة بلنسية إلى صهره المعتضد بن عباد فلم يمكنه من أمنيته، وشاعت قصته في بلاد الأندلس، فلم تكن له منزلة عند الناس، ثم رجع إلى بلنسية فكان في كنف أخته إلى أن فارق الدنيا، وبقي أخوه في بلاده، وتقدم في معاقدة قواده، واستوى على سرير ملكه، فلم يختلف عليه أحد من أهل عسكره، وتصرفت في إمارته أمور كثيرة يطول شرحها إلى أن أخرجه ابن هود منها. ا.ه.
ثم ذكر ابن عذارى في محل آخر أحمد بن سليمان بن هود المسمى بالمقتدر بالله، فقال إنه أحرج إقبال الدولة علي بن مجاهد من دانية بعد أن حاصره بها حتى بادر إليه بإرساله في أن يسلمه في نفسه وأهله وولده ويسلم إليه ملكه، وينزل له عن قصره بفرشه؛ فقبل منه ابن هود، وأمر برفع القتال عنه، فكان خروج ابن مجاهد من دانية في سنة ثمان وستين «وأربعمائة»، وأقطع له فيها إقطاعا لمؤنة عيشه فكان آخر العهد به.
قال الوراق: وقد كان علي بن مجاهد هذا وجه بمركب كبير مملوء طعاما إلى بلاد مصر سنة الجوع العظيم الذي كان بها، وذلك في عام سبعة وأربعين وأربعمائة؛ فرجع إليه المركب مملوءا ياقوتا وجوهرا وذهبا، فكان ذلك كله عند ابن مجاهد المذكور في خزائنه، فلما استولى ابن هود على دانية ظفر به. وبايع أهل دانية ابن هود خاصتهم وعامتهم، فاتسع عمله وزادت مملكته، وأقام في دانية ريثما نظر في أمرها، وأتقن ما رأى إتقانه منها، ورحل منها إلى حضرة سرقسطة وفي عسكره علي بن مجاهد في زي خشن. ا.ه. ببعض تصرف.
وذكر أحمد بن يحيى الضبي في كتابه بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس مجاهد بن عبد الله العامري أبا الجيش الموفق - مولى عبد الرحمن الناصر بن المنصور محمد بن أبي عامر - أنه كان من أهل الأدب والشجاعة والمحبة للعلوم وأهلها، نشأ بقرطبة، وكانت له همة وجلادة وجرأة، فلما جاءت أيام الفتنة، وتغلبت العساكر على النواحي بذهاب دولة ابن أبي عامر قصد هو في من تبعه الجزائر التي في شرق الأندلس، وهي جزائر خصب وسعة فغلب عليها وحماها. ثم قصد منها في المراكب إلى سردانية جزيرة من جزائر الروم كبيرة في سنة ست أو سبع وأربعمائة، فغلب على أكثرها وافتتح معاقلها، ثم اختلفت عليه أهواء الجند، وجاءت أمداد الروم، وقد عزم على الخروج منها طمعا في تفرق من يشغب عليه، فعاجلته الروم وغلبت على أكثر مراكبه. فأخبرني أبو الحسن نجبة بن يحيى قال: أنبأنا شريح بن محمد عن أبي محمد بن حزم قال: أخبرنا أبو الفتوح ثابت بن محمد الجرجاني قال: كنت مع أبي الجيش مجاهد لما غزا سردانية فدخل بالمراكب في مرسى نهاه عنه أبو خروب - رئيس البحريين - وهبت ريح فجعلت تقذف مراكب المسلمين مركبا مركبا إلى الريف والروم وقوف لا شغل لهم إلا الأسر والقتل للمسلمين، فكلما سقط مركب بين أيديهم جعل مجاهد يبكي بأعلى صوته لا يقدر هو ولا غيره على أكثر لارتجاج البحر وزيادة الريح، وكان أبو خروب يقول: قد كنت حذرته من الدخول ها هنا فلم يقبل، فبجريعة الذقن ما تخلصنا في يسير من المراكب. هذا آخر خبر ثابت بن محمد.