وأوقد جميع ما ذكر وأحدق بشرفات الحرم كلها صبيان مكة، وقد وضعت بيد كل واحد منهم كرة من الخرق المشبعة سليطا فوضعوها متقدة في رءوس الشرفات، وأخذت كل طائفة منهم ناحية من نواحيها الأربع، فجعلت كل طائفة تباري صاحبتها في سرعة إيقادها؛ فيخيل للناظر أن النار تثب من شرفة إلى شرفة؛ لخفاء أشخاصهم وراء الضوء المرتمي الأبصار، وفي أثناء محاولتهم لذلك يرفعون أصواتهم بيا رب يا رب على لسان واحد؛ فيرتج الحرم لأصواتهم، فلما كمل إيقاد الجميع بما ذكر كاد يغشى الأبصار شعاع تلك الأنوار، فلا تقع لمحة طرف إلا على نور يشغل حاسة البصر عن استمالة النظر، فيتوهم المتوهم لهول ما يعانيه من ذلك أن تلك الليلة المباركة تنزهت لشرفها عن لباس الظلماء، فزينت بمصابيح السماء.
وتقدم القاضي فصلى فريضة العشاء الآخرة، ثم قام وابتدأ بسورة القدر، وكان أئمة الحرم في الليلة قبلها قد انتهوا في القراءة إليها، وتعطل في تلك الساعة سائر الأئمة من قراءة التراويح تعظيما لختمة المقام، وحضروا متبركين بمشاهدتها، وقد كان «المقام» المطهر أخرج من موضعه المستحدث في البيت العتيق، حسبما تقدم الذكر أولا له فيما سلف من هذا التقييد، ووضع في محله الكريم المتخذ مصلى مستورا بقبته التي يصلي الناس خلفها، فختم القاضي بتسليمتين وقام خطيبا مستقبل المقام والبيت العتيق، فلم يتمكن من سماع الخطبة للازدحام وضوضاء العوام، فلما فرغ من خطبته عاد الأئمة لإقامة تراويحهم، وانفض الجمع ونفوسهم قد استطارت خشوعا، وأعينهم قد سالت دموعا، والأنفس قد أشعرت من فضل تلك الليلة المباركة رجاء مبشرا بمن الله تعالى بالقبول، ومشعرا أنها أو لعلها ليلة القدر المشرف ذكرها في التنزيل، والله - عز وجل - لا يخلي الجميع من بركة مشاهدتها وفضل معاينتها؛ إنه كريم منان لا إله سواه.
ثم ترتبت قراءة أئمة المقام الخمسة المذكورين أولا بعد هذه الليلة المذكورة بآيات ينتزعونها من القرآن على اختلاف السور، تتضمن التذكير والتحذير والتبشير، بحسب اختيار كل واحد منهم، ورسم طوافهم إثر كل تسليمتين باق على حاله، والله ولي القبول من الجميع. ثم كانت ليلة تسع وعشرين منه، فكان المختتم فيها سائر أئمة التراويح، ملتزمين رسم الخطبة إثر الختمة والمشار إليه منهم المالكي، فتقدم بإعداد أعواد بإزاء محرابه نصبها ستة على هيئة دائرة محراب مرتفعة عن الأرض دون القامة، يعترض على كل اثنين منها عود مبسوط، فأدير بالشمع أعلاها، وأحدق أسفلها ببقايا شمع كثير قد تقدم ذكره عند ذكر أول الشهر المبارك، وأحدق أيضا داخل تلك الدائرة شمع آخر متوسط، فكان منظرا مختصرا ومشهدا عن احتفال المباهاة منزها موفورا؛ رغبة في احتفال الأجر والثواب ومناسبة لموضع هيئة المحراب، نصبت للشمع فيه عوضا من الأنوار أثافي من الأحجار، فجاءت الحال غريبة في الاختصار، خارجة عن محفل التعاظم والاستكبار، داخلة مدخل التواضع والاستصغار، واحتفل جميع المالكية للختمة؛ فتناوبها أئمة التراويح، فقضوا صلاتهم سراعا عجالا كاد يلتقي طرفاها خفوفا واستعجالا، ثم تقدم أحدهم فعقد حبوته بين تلك الأثافي، وصدع بخطبة منتزعة من خطبة الصبي ابن الإمام الحنفي، فأرسلها معادة إلى الأسماع، ثقيلا لحنها على الطباع.
ثم انفض الجمع وقد جمد في شئونه الدمع، واختطف للحين من أثافيه ذلك الشمع، وأطلقت عليه أيدي الانتهاب، ولم يكن في الجماعة من يستحى منه أو يهاب، وعند الله تعالى في ذلك الجزاء والثواب، إنه سبحانه الكريم الوهاب.
وانتهت ليالي الشهر ذاهبة عنا بسلام، جعلنا الله ممن طهر فيها من الآثام، ولا أخلانا من فضل القبول ببركة صومه في جوار الكعبة البيت الحرام، وختم الله لنا ولجميع أهل الملة الحنيفية بالوفاة على الإسلام، وأوزعنا حمدا بحق هذه النعمة وشكرا، وجعلها للمعاد لنا ذخرا، ووفانا عليها ثوابا من لديه، وأجرا يرجى بفضله وكرمه؛ إنه لا يضيع لديه أيام اتخذ لصيامها ماء زمزم فطرا؛ إنه الحنان المنان لا رب سواه.