ومن مباني العرب المشهورة في سرقسطة، المحفوظ منها جانب إلى اليوم، قصر الجعفرية، شرقي البلدة، على ضفة أبره. وهو الآن ثكنة عسكرية. قرأت في دليل بديكر أن بانيه هو أبو جعفر أحمد، بناه في القرن الحادي عشر للمسيح، ولم أطلع على ترجمة لأبي جعفر أحمد هذا، ويغلب على ظني أن باني هذا القصر هو المقتدر بالله بن هود، ملك سرقسطة، وقد كان يكنى بأبي جعفر فقيل لقصره الجعفرية، نسبة إليه. وكذلك كان يقال للمستعين الثاني ابن هود «أبو جعفر».
وقد زرت هذا القصر في شهر يونيو سنة 1930، فلم أجد فيه من آثار العرب المحفوظة سوى جامع صغير ومقصورة. وفي هذا القصر الغرفة التي ولدت فيها سنة 1270 القديسة اليصابات ملكة البرتغال. وبالاختصار فمن جهة الصنعة تتلاقى في سرقسطة أوربة وآسية. وفي قصر الجعفرية مثال بارز لهذا الأمر. وقد كان ملوك أراغون بعد أن استولوا على سرقسطة، جعلوا إقامتهم في هذا القصر، ثم صار مركزا لديوان التفتيش. وسنة 1809 في أثناء الحرب بين الفرنسيس والإسبانيول، تهدم الجانب الأعظم من الجعفرية، ثم رمموه، وجعلوه ثكنة للعساكر.
ومن المباني المشهورة في سرقسطة كنيسة سيدة بيلار
Pilar
وهي الكنيسة الثانية بعد كنيسة السيو في تلك البلدة، وقبابها مزخرفة بالزليج العربي، وفيها العمود الذي يزعمون أنه تجلت عليه السيدة العذراء للحواري يعقوب، عندما كان ذاهبا إلى شنت ياقب، وفي هذه الكنيسة من الصنعة والزخرف، وفي خزانتها من الكنوز ما يعجز القلم عن وصفه. وهناك كنيسة ثالثة شهيرة يقال لها سان بابلو، ولها برج مبني على الطراز العربي، وفيه كثير من الزليج الأخضر والأبيض.
وفي سرقسطة حارات جديدة بشوارع واسعة، على الطراز الحديث، ولكن لا يزال فيها أيضا حارات قديمة، ذات شوارع ضيقة، وأما القناة الإمبراطورية المشتقة من أبره فإنما سميت بذلك نسبة للإمبراطور شارلكان، وكان الابتداء بشقها سنة 1528، وهي تتبع الضفة اليمنى من أبره، وطولها 88 كيلومترا.
وبساتين سرقسطة غاية في البداعة، فيها التين والزيتون واللوز والكرم وأصناف الفواكه، وأما نهر جلق فأصل اسمه عند الأسبان غالبقو
Gallego
ولكن العرب قالوا له جلق لأنه كاسم دمشق التي يقال لها جلق. وجاء في نفح الطيب أن موسى بن نصير لما وصل إلى سرقسطة وشرب من مائها، استعذبه جدا، وقال إنه لم يشرب بالأندلس أعذب منه، وسأل عن اسم النهر الذي منه هذا الماء، فذكروا له اسمه، فقال: إذن هذا نهر جلق، وهذه غوطة دمشق، لأن البساتين التي تحدق بسرقسطة تشبه غوطة الشام.
وجاء في معجم البلدان لياقوت الحموي عن سرقسطة ما يلي:
سرقسطة، بفتح أوله وثانيه، ثم قاف مضمومة، وسين مهملة ساكنة، وطاء مهملة: بلدة مشهورة بالأندلس، تتصل أعمالها بأعمال تطيلة، ذات فواكه عذبة لها فضل على سائر فواكه الأندلس، مبنية على نهر كبير، وهو نهر منبعث من جبال القلاع، وقد انفردت بصنعة السمور، ولطف تدبيره، يقوم في طرزها بكمالها، منفردا بالنسج في منوالها، وهي الثياب الرقيقة المعروفة بالسرقسطية. هذه خصوصية لأهل هذا الصقع. هذا السمور المذكور هنا لا أتحقق ما هو، ولا أي شيء يعني به: إن كان نباتا عندهم، أو وبر الدابة المعروفة؟ فإن كانت الدابة المعروفة فيقال لها الجندبادستر أيضا، وهي دابة تكون في البحر، وتخرج إلى البر وعندها قوة ميز. وقال الأطباء: الجندبادستر حيوان يكون في بحر الروم، ولا يحتاج منه إلا إلى خصاه، فيخرج ذلك الحيوان من البحر، ويسرح في البر، فيؤخذ ويقطع منه خصاه، ويطلق، فربما عرض له الصيادون مرة أخرى، فإذا علم أنهم ماسكوه استلقى على ظهره، وفرج بين فخذيه، ليريهم موضع خصيته خاليا، فيتركونه حينئذ.
وفي سرقسطة معدن الملح الذراني، وهو أبيض صافي اللون، أملس خالص، ولا يكون في غيرها من بلاد الأندلس.