والبائعون القدس رهط صيارف
ما للصيارف عندنا دينار
قد كان أم بلادنا آباؤهم
أمما فلاقى ريحهم إعصار
لو يذكرون من الحوادث ماضيا
ما غرهم لمقامنا استحقار
لكنهم أمنوا الزمان كأنما
بين الزمان وبينهم آصار
وتوهموا تلك العصور وقد خلت
ليست تعاد وما لها تكرار
كلا وربك ما أصاب حسابهم
ولكل قوم نهضة وعثار
إن الزمان هو الزمان تقلبا
ما دام إلا الواحد القهار
مرثيتي للأخ الأبر والأستاذ الأشهر الشيخ عبد العزيز جاويش، أرسلتها من لوزان إلى مصر، وتليت في حفلة الأربعين لوفاته - رحمه الله - سنة 1347:
لم تبق بعدك في الخطوب جليلا
مذ شئت يا عبد العزيز رحيلا
خلفت للإسلام أي مناحة
طمت وعمت عرضه والطولا
في كل أرض نص فيها منبر
يتذكرونك بكرة وأصيلا
يتذكرون مواقفا مشهورة
لك ليس تترك للمراء سبيلا
ومآثرا في الخافقين حديثها
ومعاليا رنت حلى وحجولا
ما العبقرية والتي يصفونها
إلا حياتك مثلت تمثيلا
الخاطر الوقاد إن يبدر مضى
في الحادثات أسنة ونصولا
والمنطق الفياض إن يهدر غدا
يتدفق الإبداع منه سيولا
لا فرق بين السامعيك وقد وعوا
ما قلته والشاربين شمولا
وإذا جررت على الطروس يراعة
بات الصرير براحتيك صليلا
تلك اليراعة ود أكبر قائد
لو أنها في كفه ليصولا
تتجاوب الآفاق عن أصدائها
ويرتلون فصولها ترتيلا
هيهات يا عبد العزيز أخو علا
من درك شأوك يبلغ المأمولا
لم يعلم الخلق الكريم ولا الحيا
من ليس يعلم خلقك المعسولا
لم يعلم الآداب كيف تجسمت
بشرا فتى لم يصطحبك طويلا
فكأن ربك عند خلقك قد أبى
ألا تكون مكملا تكميلا
تغدو أرق من النسيم فإن عرا
خطب غدوت الصارم المسلولا
في نعمة الحمل الوديع فإن عدا
عاد ترى أسدا يفارق غيلا
أسد متى يزأر لأمة أحمد
ملأ الفرات زئيره والنيلا
شيحان لم يبصر عليها ذلة
إلا ومد ذراعه المفتولا
رضي المصائب والنوائب والنوى
والحبس حتى لا يعيش ذليلا
يعفو الجرائر نحوه طرا ولا
يعفو إذا الإسلام غض فتيلا
جعل الجهاد نصيبه عن قومه
فقضى الحياة مغربا مجفولا
34
لا تعظم الأخطار في أبصاره
ما دام يبصر حقهم مأكولا
يا راحلا أبقى فراغا هائلا
هيهات تملؤه الرجال فحولا
آليت لا أنفك عهدك راعيا
حتى أغرب في التراب مهيلا
غادرت لي قلبا عليك مقطعا
دامي الصميم ومدمعا موصولا
وسألت دمعي أن يجيب جوانحي
فانباع يجري سائلا مسئولا
أنسى لعمري والدي وعترتي
إن كنت أنسى فضلك المسجولا
35
إذ أنت بر بي كما نفسي وإذ
تغدو عليلا أن أكون عليلا
إني أحن إلى اجتماع الشمل في ال
أخرى كأنا في الحياة الأولى
رب الوفاء وصفوة الخلان قل
أتركت بعدك من أعد خليلا؟
يا صاحب القدح المعلى في العلا
أتركت مثلك ياسرا فيجيلا؟
أبقت عليك الحادثات كلومها
والسيف يكسب بالجلاد فلولا
شفت وجودك همة جبارة
تجد الصعود إلى السماك نزولا
أتظن أن تمضي وأبقى وافرا
هيهات قد صار البقاء قليلا
يا أيها المولى بحبك قد مضى «عبد العزيز» متيما متبولا
أمطر على ذاك الثرى غيث الرضى
واجعله رب لدى علاك نزيلا
قد كان فعال الجميل حياته
فأثبه في دار المعاد جميلا
ولما اطلعت على مرثية شوقي للشيخ جاويش أعجبت بها، فارتجلت هذه الأبيات وقد نشرت في جريدة الشورى:
تفوق شوقي بأشعاره
جميعا فكل يتيم فريد
وما دمت تجتاز أرجاءها
تعود بكل طريف جديد
توالى الهتاف لدى كل بيت
ألا إن ذلك بيت القصيد
إذا هو أبكى فزاد المعاد
وإن هو غنى فأنس الوجود
ولكن قصائد شوقي اللواتي
لهن سجل بلوح الخلود
فداء لمرثية قالها
بعبد العزيز: العزيز الشهيد
أعار الرثاء جلال الفقيد
فأصبح هذا لهذا نديد
وقد كان من قبل هذا مبينا
بشأو محال عليه المزيد
تكاد لإحراز أقوال شوقي
تكون المنايا أماني الفقيد
ورثيت صديقي عين أعيان جبل عاملة، ومبعوث بيروت في مجلس النواب، حاتم عصره، كامل بك الأسعد، رئيس آل علي الصغير، وكانت وفاته - رحمه الله - سنة 1343:
هوى لفقدك ركن الشرق وا حربا