شجر الزيتون بدت أوراقه الصغيرة مغبّرة جذوعه رمادية مقشرّة، وأنا أيضاً هرمت، والبغل الأحمر الذي يجرّ عربة المازوت شتاءً صار كسولاً لا يقطع بضعة أزقّة حتى يخرّ تعباً. والرجل يهرم في الستين إن عاش شقياً راكضاً وراء الليرات القليلة تحت المطر فوق الوحل بين ذرات البرد، وذرات الغبار. وكلّه من أجل الأولاد، آه، الأولاد... يمصّون دمي... هات... هات... هات.
والآن وبعد أن أسرد قصتي، افهموا لم البعض من البشر يجرّون البغال، وعيونهم كالأحذية تزحف ببطء فوق الطرقات؟
ولم يُلّف ذاك النداء (م.اا..زووو...ت) بالحزن والعويل والاستجداء فاغفروا لي بطولتي التي أعدها انتصاراً على قدر أحمق... الموت وحده ينهي لعب القدر، ولو أنه آخر لعبة.
تلك التربة الباردة التي تلتحف بالعشب الأخضر والورد البري، والتي كانت جنة لطفلين يكبران كما الشجرة فرعاً.. فرعاً، وشبراً... شبراً. أرض جدي، وجد جدي صارت تبطن في جوفها الخطيئة.
من أجلهم استأجرت غرفة في حي (الدعتور) كي يتعلموا، ويرفعوا اسم بائع المازوت، الفلاح، على باب عيادة، أو باب وزارة، أو مؤسسة للحكومة كررت على مسامعهم دائماً بأن العظماء خلقهم الجوع من الأزمة خرج المفكرون والمتأملون والثائرون كاللبن لا يصبح زبدة إلا حين يُخض بقوة.
تحقق حلمي، صارت (نورا) في الجامعة جميلةً جداً لولا نظارتها الطبية التي تخفي عينيها الخضراوين. وبسبب تفوقها على دفعتها. كرّمت، بدأت تتقاضى راتباً شهرياً بسيطاً يعينها على شراء بعض من حاجياتها الكثيرة.
و (نجيب) أمسى رجلاً لم تولد الأرض مثله... سيأتي اليوم ببزته العسكرية وستلتمع النجمة الذهبية فوق كتفه العريض وهو يحمل الحقيبة الدبلوماسية، يحضر لي قصصاً غريبة مثيرة عن الجنود في الفرقة التي يرأسها. سنشرب اليوم العرق (الريّان) حتى نسكر، اليوم عيد رأس السنة، اليوم لن أعمل وغداً أيضاً. لن أبيع المازوت ثانيةً احتراماً لمركزه، وكيف أعمل بعد الآن...؟
لقد تعبت وانهدّ الظهر و(نجيب) يشدّ الظهر.