تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-والآن ياسيدتي مرّي فوقي بثلاث خطوات إلى الأمام ابدئي برجلك اليمنى فعلت ذلك ظانة أنه يلاعبها ثم توقف ونفخ متنهداً كأن بركاناً خرج من صدره.

أنت الآن أمي إنشاء اللّه.

أمسكت خصرها، استغاثت من ألم الضحك، مسحت دموعها الزرقاء وحسن يتأمل جمالها لأول مرة حتى وصل صوتها إلى آخر الممر حيث زوجها يرنو بخطوات عسكرية فأطرق. فكر أنها نهايته (كاتارينا) لم تذعر ولم تكترث لضحكها مع رجل آخر غير زوجها بدا الضابط مثلها لم يظهر عليه الغضب ابتسم وأشار له بحركة من يده أن يتابع مهمته في الحراسة.

يقول جدكم:

(في البرد وجانب البيت الكبير بدأت قدمايا ترتجفان كقصبتين في ليلة عاصفة. غطاء السرير في الصالون (وكاتارينا) شبه عارية سيقتلها أم سيقتلني بل سيجعل مني طعاماً لكلابه عليّ الهرب الموت بطريقتي أرحم....).

وقبل أن يفعل سمع صوت ضحكتين ومن النافذة العريضة أشار إليه أن يدخل. ضغط على كتفه بقوة محببة وشده إلى الصالون.

-أصيل ياحسن.. لم يقولون أنكم تخونون؟

(كاتارينا) تحضن زوجها أمام نظره وتقول:

أنا أم حسن الكبير...

وعلى فراش الموت نسي حسن الجوع والجهل والبرد والألم لكنه لم ينسى كلام الضابط الذي دخل في قلبه وخرج مع روحه.

لم يقولون أنكم تخونون لم يقولون بأن.... بأ.... نك.... بأنكم... تخـ.... تخـ....).

((((

حصاد السنين

المحطة تضجّ بالمسافرين. لم أتذكره، أشك بأن التقينا يوماً. شاءت المصادفة أن نجلس معاً في مقعدين ملتصقين، أحسست بأن الطريق يسحب من تحتنا حتى يقصر. وكنت حائرة كيف تنحني الأرض وتمتد السماء في الارتفاع، كلنا نسير في درب لا نرى فيه أرضاً أو سماء، نسقط في حفره واحدنا تلو الآخر ومن يكمل دربه تعميه سهام الشمس.

الكتب الكثيرة التي قرأتها جعلتني في عماء، غير فاهمة للذي أريد فهمه إلى أن قابلت (سام) توقف الباص، جلسنا في الاستراحة، رشفت كأساً من الشاي الساخن وحدي، وهو أيضاً جلس وحده يداعب بيديه الناعمتين فنجان القهوة.

في النصف الآخر من الرحلة شدتني عيناه الشاردتان. عينان حادتان كحبتي لؤلؤ مغمستين بمساء الشتاء.

رجل أتقن فن الحياة، عرف كيف يعيش من أجل البقاء الأفضل. رجع إلى الوطن شيء ما شده إليه كما يشد غصناً أخضر إلى جذعه. رجع ليكمل طريق النهاية نحو بداية نهاية أخرى حين نطلب العيش بسلام علينا أن نتلون بلون الحياة كالحرباء... الإقامة الطويلة في الغربة، فرضت عليه أفكاراً جديدة خلعها كلها حين صار في الشام.

سفر في وريد مقطوع · الصفحة ٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

سفر في وريد مقطوعص ٣٦