-منذ عام لم نحصل على قرش واحد منك.. أولادك لا يشبعون فكيف أطعمك... اذهب قيمة الرجل أمثالك بقدر ما يملك في الجيب.
أما الثالثة وهي أصغرهن ورفيقة رحلاته خاطب فيها المشاعر:
... عزيزتي.. تذكري، الرجل لايتزوج الثالثة إلاّ لأنه يضحّي برضى الأولى والثانية وحين طالبت بورقة طلاقها، انهار على السلم باكياً ثملاً بصوت مجروح كنهيق حماره الرمادي حين كان يمرض أو يجوع. وعند الفجر أذّن المؤذن "اللّه أكبر" فانتفض ككبش قطع رأسه بسكين الشيخ فذبلت عيونه قبل الموت بقليل حين تذكّر آخر أمل له.. آخر قشة نجاة، (غازي) قريب زوجته الأولى.. مرة جاء يستجديه وهو يقطع مسافة طويلة فوق بلاط الرخام في الصالون. وكان أحمد بك يدخن سيجاراً فوق كرسيه الهزّاز متأملاً منظر القرية الأخضر والذهبي من النافذة الواسعة وشكل النهر الأزرق المنحني بشكل حرف (اللام).
لم يكن مع (غازي) المبلغ المطلوب لثمن أرض صغيرة. أخذ منه المبلغ وتبسّم له:
-يارجل نحن أقارب... مبروكة عليك أرض البربر، والحمار أيضاً.. لا تنسنا من خير الأرض.. اعتبر الباقي دين سدّده متى تشاء...
مرت على تلك الحادثة سنوات كثيرة لكنّه تذكرها وهو في المقعد الأول من الحافلة.. المتجهة إلى القرية.
(غازي) لم يعد فقيراً ربما لأن يده مغلولة إلى عنقه وله أولاد ساهموا في توسيع مساحة أرض (البربر) من الجهة الشرقية، أولاد كالثيران يشتغلون بقدر مايأكلون. واليوم عيد الأضحى، مناسبة جيدة سيضحي (غازي) بعجل أحمر ونعجتين، سيقدّره الجميع وسيجتمع في بيته خمسون شيخاً يصلّون.
أخذه (غازي) بالأحضان، جلسا تحت شجرة جوز كبيرة. انتظروا قليلاً ريثما انتهت ضجة الأولاد وهم يحملون صحوناً فارغة كي تملأ بـ(الرز واللحم).
ابتسم للحمار المربوط -حماره- وكالبقية. أحضرت له قطعة خبز ملآنة باللحم.
شرح السيد أحمد تعثّر الأحوال، تنازل قليلاً طالباً قرضاً. ضرب (غازي) فخذيه النحيلين وقام واقفاً:
-الشمس تغيب، اذهب قبل أن يفوتك موعد الحافلة.
لم يقبل غازي استضافته هذا مافهمه، دمعت عيناه بحقد: "نسيت ياغازي..؟ كنت تركض أنت وكل عائلتك ورائي لتتفرجوا على الحذاء الذي يصدر أصواتاً عجيبة.. وأنت الذي كنت كالكلب تلهث لتستنشق أكبر كمية من رائحة المسك الباريسية".
وبقوة رفع يده في الهواء وقذف في وجهه قطعة اللحمة.. غازي يغضب وأحمد يحزن يفصل بينهما صوت.
عمرها الدنيا ماكانت لرجل واحد، شيعت، تزوجت.. أنجبت قبيلة من الأولاد..