واسْتَعْمِلْ مَا وَهَبكَ اللهُ مِنَ المَالِ الجَزيلِ ، والنَّعمَةِ الطَّائِلَةِ ، في طَاعَةِ رَبِّكَ ، والتَّقَرُّبِ إليهِ ، ولا تَنْسَ حَظَّكَ ( نَصِيبَكَ ) مِنَ الدُّنيا ، ممَّا أَبَاحَهُ اللهُ فيها لِعِبادِهِ ، مِنَ المَآكِلِ والمَشَارِبِ والمَلاَبِسِ وغَيرها . . فإِنَّ لِرَبِّكَ عَلَيكَ حَقّاً ، وَلِنَفَسِكَ عَليكَ حَقّاً ، . . فَآتِ كُلِّ ذي حقٍّ حَقَّهُ . وأحْسِنْ إِلى خَلْقِ اللهِ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ ولا يَكنْ هَمُّكَ الإِفسَادَ في الأَرضِ ، والإِساءَةَ إلى خَلْقِ اللهِ ، إنّ الله لاَ يُحِبُّ المُفْسِدِينَ .
فَأَجَابَ قَارُونَ نَاصِحِيهِ مِنْ قَومِهِ : إِنَّهُ لا يَفْتَقِرُ إلى مَا يَقُولُونَ ، فإِنَّ الله إِنَّما أعطَاهُ هذا المَالَ لِعلمِهِ بأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ ، وَلأَنَّهُ يُحِبّهُ . ويَرُدّ اللهُ تَعَالى عَليهِ قائِلاً : إِنَّهُ كَانَ قَبلَ قَارُونَ أُناسٌ كثيرونَ أكثرُ منهُ مالاً ، إِلاَّ أَنهُ سُبحَانَهُ لَمْ يُعْطِهِمْ هذا المَالَ عَنْ مَحَبَّةٍ منهُ لهُمْ ، وَقَدْ أًَهْلَكَهُمْ بِكُفْرِهِمْ ، وَعَدمِ شُكرِهِمْ ، وفي الآخِرَةِ لا يَسْأَلُ اللهُ تَعَالى المُجرِمينَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ ، ومِقْدَارِهَا وَكُنْهِها . . وَلاَ يُعَاتِبُهُمْ عَلَيها ، وإِنِّما يُلْقِيهِمْ فِي جَهَّنَم دُونَ سُؤَالٍ .
وَخَرَجَ قَارُونَ ذَاتَ يومٍ عَلَى قَومِهِ ، وَهُوَ في زِينَةٍ عَظِيمَةٍ ، وتَجَمُّلٍ بَاهِرٍ ، فلما رَآه مَنْ يُريدُ الحَيَاةَ الدُّنيا ، وَيمَيلُ إلى زُخُرفِها وزِينَتِها مِنْ قَومِهِ ، تَمَنُّوا أَنْ لَوْ كَانُوا يُعطَوْنَ مِثْلِ ما أُعْطِيَ قَارُونُ مِنَ المَالِ ، فهوَ ذُو حَظٍّ عظيمٍ وافرٍ في الدُّنيا .