الناس حسابا إلا للرجال الأقوياء الصرحاء ، الذين يجهرون بآرائهم ، ويقفون خلف عقائدهم ، ويواجهون الدنيا بأفكارهم ، ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار.
أولئك ينسون الناس ليذكروا إله الناس ، فلا يخشون في الحق لومة لائم ، وأولئك يذكرهم اللّه فيذكرهم الناس ويحسبون حسابهم.
«إِنَّ الْمُنافِقِينَ هُمُ الْفاسِقُونَ» ..فهم خارجون عن الإيمان ، منحرفون عن الطريق ، وقد وعدهم اللّه مصيرا كمصير الكفار : «وَعَدَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْكُفَّارَ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها ، هِيَ حَسْبُهُمْ».وفيها كفايتهم وهي كفاء إجرامهم.«وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ» ..فهم مطرودون من رحمته ..«وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ» .. هذه الطبيعة الفاسقة المنحرفة الضالة ، ليست جديدة ، ففي تاريخ البشرية لها نظائر وأمثال. ولقد حوى تاريخ البشرية من قبل هؤلاء نماذج كثيرة من هذا الطراز. ولقد لاقى السابقون مصائر تليق بفسوقهم عن الفطرة المستقيمة والطريق القويمة ، بعد ما استمتعوا بنصيبهم المقدر لهم في هذه الأرض. وكانوا أشد قوة وأكثر أموالا وأولادا فلم يغن عنهم من ذلك كله شيء. (1)
وبين سبحانه موقعهم في النار وهو الدرك الأسفل من النار وهو أكثر الدركات عذابا وحرا: ( إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) [النساء/145])
يَقُولُ تَعَالَى إنَّ المُنَافِقِينَ سَيَكُونُ مَصِيرُهُمْ فِي أَسْفَلِ طَبَقَاتِ ( دَرَكَاتِ ) نَارِ جَهَنَّمَ ، وَلَنْ يَنْصُرَهُمْ أَحَدٌ مِنْ عَذَابِ اللهِ .
وقوله تعالى : « إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً » هو كشف للمؤمنين عن هول هذا العذاب الذي يلاقيه المنافقون ، وأنهم فى الدرك لأسفل من النار ، ينزلون منها للنزل الدّون ، الذي بعده منزلة ، الأئمة والكافرين!
وقوله تعالى : « إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ » هو استثناء يفتح به باب الأمل والرجاء فى النجاة من هذا المصير ، لمن بقيت منه فى كيان المنافقين بقية من خير ، يستطيع بها أن يفتح له طاقة من نور يهتدى بها إلى
(1) -فى ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (3 / 1673)