وفى اختصاص صفة الرحمن بالذكر هنا من بين صفات اللّه سبحانه وتعالى ـ تذكير بهذه الرحمة المنزلة من الرحمن ، وهى القرآن ، وهى التي يعرض عنها أصحاب القلوب المريضة ، فيتسلط عليهم الشيطان ، ويملك أمرهم .. وإنها لمفارقة بعيدة أن يرى الإنسان يد الرحمن الرحيم تمتد إليه بالرحمة ، ثم ينظر فيرى يد الشيطان الرجيم تمتد إليه بالبلاء والشقاء .. ثم يكون له ـ مع هذا ـ موقف للنظر والاختيار .. ثم يكون فى الناس من يمد يده إلى الشيطان مبايعا على أن يصحبه إلى حيث ما يرى رأى العين من شقاء وبلاء!.
قوله تعالى « وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ »..
الضمير فى « إِنَّهُمْ » للشياطين ، أي وإن الشياطين ليصدون المشركين عن سبيل اللّه ، ويدفعون بهم إلى طرق الغواية والضلال ، ويزينونها لهم حتى ليحسبون أنهم مهتدون. فقوله تعالى : « وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ » جملة حالية ، تكشف عن الحال الشعورية التي يكون عليها المشركون وهم يركبون طرق الضلال ..فهم يساقون إلى الضلال وقد خيل إليهم أنهم قائمون على الهدى ، مستمسكون بالعروة الوثقى!.
قوله تعالى : « حَتَّى إِذا جاءَنا قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ »..
حتى : حرف غاية ، لما تضمنه قوله تعالى : « وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ » ـ أي أن الشيطان يظل فى هذه الحياة قرينا لصاحبه هذا الذي لزمه ، وأمسك بزمامه ـ إلى أن يجىء يوم الحساب والجزاء .. وهنا يتخلى الشيطان عن صاحبه ، ويتخلى صاحبه عنه ، ويتولى كلّ منهما رجم صاحبه بكل منكر ، وقذفه بكل تهمة .. وفى هذا يقول اللّه تعالى ، عن الكافرين أصحاب الشياطين : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُما تَحْتَ أَقْدامِنا لِيَكُونا مِنَ الْأَسْفَلِينَ » (29 : فصلت) ويقول سبحانه عن الشيطان : « وَقالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ » (22 : إبراهيم) ويقول سبحانه وتعالى عن إخوان السوء ، ورفاق الضلال : « الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ » (67 : الزخرف) ..