تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويصف أبو شامة مجالس وعظه بأنَّها من محاسن الدنيا ولذاتها (١)، وقد حضرها مِرارًا في صِغَره وكبره. وبتصوير ينبض بالحياة، يحكي لنا عن مجلس من تلك المجالس في جامع دمشق، فيقول: «كان يزدحم في مجلسه ما لا يُحصى من الخلق رجالًا ونساء - والنِّساء بمعزل عن الرجال - وكان لا يفارق أحدٌ مجلسه إذا انفض إلا وشوقه مستمر إلى عودته في الأسبوع الآخر، فإنه كان يجلس كلَّ سبت، وتُبسط السجادات والحصر والبسط في كل المواضع القريبة من المنبر ما بينه وبين القُبَّة في يوم الجمعة، ويبيتُ النَّاس كل سبت حِلَقًا يقرؤون القرآن بالشُّموع، كل ذلك فرحًا بالمجلس، ومسابقة إلى الأماكن. وعادة الدمشقيين التفرج في أيام السبت، ويبطّلُون عن أشغالهم بالمدينة، وينقطعون في بساتينهم، وكانوا لا يفوتون حضور المجلس. ثم ينصرفون منه إلى فُرجهم، فلا ينقضي يومهم إلا بالتذاكر لما وقع فيه من المحاسن وإنشاد الأشعار، والتحدث بمن أسلم فيه أو تاب، وإيراد ما كان فيه من سؤال وجواب» (٢).

-٣ -

وتتعزز مع الأيام صلته بالملك المعظم عيسى، ولم تخلُ صلته به من التزلف إليه، فقد قال له يومًا، وكان المعظم لا يقيم وزن الشعر: فيك ضَرْبٌ من النبوة ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ﴾ [يس: ٦٩] (٣). وبادله المعظم قُرْبًا بقرب؛ حتى كان يخصه بالقيام له دون غيره من العلماء إذا دخل عليه مجلسه (٤)، وبات لا يكاد يفارقه.

ويعزم المعظم على الحج سنة ٦١١ هـ/ ١٢١٥ م مع جماعة من خواص أمرائه: عز الدين أيبك، وعماد الدين داود بن موسك، والظهير غازي بن

(١) المذيل على الروضتين (١/ ١٦٠).

(٢) المذيل على الروضتين (١/ ١٦٠ - ١٦١).

(٣) ينظر: «مرآة الزمان» (٢٢/ ٢٨٥).

(٤) مرآة الزمان (٢٢/ ٣٣٣).

سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظ · الصفحة ٧٥

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سبط ابن الجوزي المؤرخ الواعظص ٧٥