تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Sciences morales et sociales .

غير أن جميع هذه العلوم والمباحث الخاصة كانت مشوبة بنقائص جوهرية؛ كان كل واحد منها يدرس نوعا واحدا من الحادثات الاجتماعية، من غير أن يعتبر علاقة هذه الأنواع بعضها ببعض، وبالمجتمع بوجه عام، ولا بأشكال المجتمع بوجه خاص.

وزيادة على ذلك فإن معظم مباحث هذه العلوم كانت إنشائية ودستورية

Impréiatif, normatif

تبحث «عما يجب أن يكون»، أكثر مما تدرس «ما هو كائن»، وتسعى وراء وضع «دساتير عمل»، أكثر مما تهتم باكتشاف و«استجلاء الحقائق».

إن علماء الأخلاق - مثلا - كانوا يبحثون عن السلوك الذي يجب أن يسلكه الإنسان، من غير أن يدرسوا «سلوك الإنسان»، ومن غير أن يلاحظوا علاقة هذا السلوك بأحوال المجتمع وأشكاله، وكذلك كان علماء الاقتصاد يبحثون في «الثروة»، من غير أن يهتموا بأحوال المجتمع الذي ينتج هذه الثروة أو يستهلكها، وأما البحث في المجتمع كمجموع، ودرس أحواله على هذا الأساس فكان من الأمور الخارجة عن خطط العلوم المذكورة، وبعيدة عن أنظار العلماء المشتغلين بها. (4)

إن هذه الحالة أدت إلى حدوث مباحثات كثيرة ومناقشات شديدة بين مؤسسي علم الاجتماع الذي ظهر متأخرا، وبين أرباب العلوم الاجتماعية التي ذكرناها آنفا؛ ماذا يجب أن تكون علاقة هذا العلم الأساسي الجديد بتلك العلوم الخاصة القديمة؟

لقد انقسم المفكرون والعلماء تجاه هذا السؤال إلى معسكرين متخالفين.

قالت جماعة منهم: إن العلوم الاجتماعية القديمة يجب أن تحافظ على استقلالها، وتواظب على أبحاثها الخاصة، وفق خططها الخاصة ومناحيها الخاصة، وأما علم الاجتماع فيجب أن يقتبس ما يجب اقتباسه من الحقائق التي تكتشفها تلك العلوم، ويركب تلك الحقائق تركيبا فلسفيا، وبتعبير آخر: إن علاقة علم الاجتماع الجديد بالعلوم الاجتماعية القديمة، يجب أن تكون مثل علاقة الفلسفة بسائر العلوم.

ولكن جماعة أخرى قالت بعكس ذلك تماما: إن علم الاجتماع يجب أن يشمل جميع مباحث العلوم الاجتماعية اشتمالا مباشرا، يجب أن تدخل كل هذه العلوم في نطاق علم الاجتماع، فتعتبر فصولا أو فروعا لهذا العلم الشامل؛ ذلك لأن اعتبار تلك المواضيع مستقلا بعضها عن بعض، ودرسها مستقلا عن المجتمع لا بد من أن يؤدي إلى أخطاء كبيرة أساسية؛ فإن البحث في تلك المواضيع لا يمكن أن يوصل إلى حقائق علمية مثبتة إلا عندما يتم على ضوء مناحي البحث التي تتبع في علم الاجتماع.

إن المناقشات التي احتدمت بين الرأيين لم تنته إلى نتيجة حاسمة تماما، ومع هذا أدت إلى عدة نتائج عملية هامة.

فإن علماء الاجتماع أعادوا البحث والنظر في جميع المسائل والمواضيع التي كانت تعتبر من خصائص العلوم الاجتماعية الآنفة الذكر، فكونوا فروعا عديدة لعلم الاجتماع عرفت بأسماء جديدة؛ مثل الاجتماع السياسي، الاجتماع الاقتصادي، الاجتماع التشريعي، وهلم جرا.

ولكن المتخصصين في العلوم الاجتماعية القديمة لم يتنازلوا عن استقلالهم، ومع هذا اضطروا - حينما لاحظوا أهمية النتائج التي توصل إليها علماء الاجتماع - اضطروا إلى إعادة النظر في مباحثهم على أساس ملاحظة أحوال المجتمعات - وفقا لوجهات نظر علم الاجتماع - فأدخلوا بذلك روحا جديدة ونظرات جديدة في علومهم القديمة.

وبهذه الصورة أصبح علم الاجتماع يسيطر على جميع العلوم الاجتماعية، سواء أرضي أصحابها أم أبوا، وأخذ ينفخ روحا تقدميا فيها جميعها.

2 (1)

يتبين مما ذكرناه آنفا أن الذين اعتبروا أوغوست كونت مؤسسا لعلم الاجتماع لم يقولوا ذلك لزعمهم أنه كان أول من درس الحادثات الاجتماعية، بل إنهم قالوا ذلك لزعمهم أنه كان أول من نظر إلى المجتمع ككل، فاتخذه موضوعا لعلم مستقل قائم بنفسه.

لكننا نعتقد - بهذا الاعتبار - أن حق ابن خلدون بلقب «مؤسس علم الاجتماع» أقوى من حق كونت؛ لأنه كان قد فعل كل ذلك قبل أن يؤلف كونت دروسه في الفلسفة الإثباتية بمدة تزيد على أربعمائة وستين عاما.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٩٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٩٨