تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقد أخطأ مونتسكيو خطأ عظيما عندما سهى عن ملاحظة الحقائق الراهنة، وتوسع كل هذا التوسع في تقدير مبلغ تأثير الحرارة في طبائع الأفراد والجماعات، وأوصل المغالاة في هذا المضمار إلى حد الادعاء بأن «النظم الاجتماعية والسياسية، والنزعات الدينية والمذهبية، وكثيرا من الأمور الأخلاقية» أيضا تتبع الإقليم بوجه عام، ودرجة الحرارة والبرودة بوجه خاص.

إن جميع الأبحاث التي قام بها علماء التاريخ والاجتماع منذ عهد مونتسكيو إلى الآن، اتجهت اتجاها يخالف المزاعم المذكورة بوجه عام؛ لأنها دلت دلالة قطعية على أن تفشي الجرائم، وإدمان المسكرات، وطغيان الشهوات، من الأحوال الاجتماعية المعضلة التي تتبع عوامل كثيرة، فتختلف لذلك اختلافا كبيرا في الإقليم الواحد بين سكان المدن والأرياف، وفي المدينة الواحدة بين الطبقات الغنية والفقيرة ، وفي الطبقة الواحدة بين معتنقي مختلف المذاهب والديانات، كما أنها تختلف في كل ذلك بين عهد وعهد، وبين قرن وقرن، فتعليل مثل هذه الأمور الاجتماعية المعضلة بتأثير الإقليم والحرارة مما لا يدل على فهم صحيح للحقائق الاجتماعية.

وأما تأسس نظم الاجتماع والحكم، وانتشار الديانات والمذاهب، ونشوء نزعات السلم والحرب؛ فهي من الحادثات التي تتبع سلسلة طويلة ومتشابكة من الوقائع التاريخية، والعوامل الاقتصادية، والتطورات الفكرية والاجتماعية.

إن تعليل وتفسير مثل هذه الحوادث التاريخية والاجتماعية المعضلة، بالعوامل الطبيعية البسيطة - مثل درجة الحرارة، والعرض الجغرافي، وخصوبة الأرض - مما لا يتفق مع حقائق العلم الحديث واتجاهاته أبدا. •••

إذا رجعنا إلى مقدمة ابن خلدون وأنعمنا النظر فيها على ضوء ما ذكرناه آنفا؛ وجدنا أنها كانت أكثر فهما للحقائق الاجتماعية، وأشد تمشيا مع مناحي الأبحاث العلمية.

إن ابن خلدون أيضا قال بتأثير الإقليم والطبيعة في أخلاق الإنسان وطبائعه، ولكنه لم يغال في هذا المضمار كما غالى مونتسكيو، فلم يقع في الأخطاء التي وقع فيها هذا المفكر المشهور.

بما أننا اتخذنا آراء ابن خلدون في طبائع الأمم وعوامل التاريخ موضوع دراسة خاصة، لا نرى لزوما لإطالة الكلام في هذا المقام، بل نحيل القارئ إلى تلك الدراسة في القسم الثالث من هذا الكتاب.

إن مطالعة تلك الدراسة - ومقارنة الآراء المذكورة فيها بالنظريات المسرودة آنفا - يظهر بوضوح أعظم أن ابن خلدون كان أقرب إلى فهم «طبيعة الحياة الاجتماعية»، وإلى إدراك «روح التاريخ وفلسفته» من مونتسكيو بدرجات، على الرغم من أنه كان قد عاش وفكر وكتب قبله بمدة طويلة تقرب من أربعة قرون.

| ابن خلدون وعلم الاجتماع

1 (1)

يعتبر علم الاجتماع أحدث العلوم الأساسية على الإطلاق؛ لأن تأسسه على أسس قويمة لم يتم إلا في الربع الثاني من القرن التاسع عشر.

وأما شرف تأسيس هذا العلم فيعزى - عادة - إلى المفكر الفرنسي المشهور «أوغوست كونت»

Auguste Conte (1798-1853)؛ لأن المومأ إليه كان - على ما يعتقد - أول من اتخذ «الاجتماع» موضوعا لعلم مستقل، وأول من استطاع تأسيس هذا العلم على أسس علمية مثبتة، وزيادة على ذلك فإنه كان أول من ابتدع واستعمل كلمة «السوسيولوجيا»

La Sociologie

لتسمية هذا العلم الجديد.

ولقد وضع أوغوست كونت علم الاجتماع في المرتبة الأخيرة والعليا من «مراتب العلوم»، التي رتبها وشرحها في فلسفته الخاصة، ثم حاول أن يوضح الأسباب التي استوجبت تأخر تأسس هذا العلم إلى هذا الحد، على ضوء نظريته المشهورة عن مراتب العلوم بوجه عام.

لقد لاحظ كونت أن العلوم يختلف بعضها عن بعض اختلافا كبيرا، من حيث درجة «معضلية مواضيعها» ومبلغ «عمومية مسائلها»، وقال إن العلوم التي تكون بسيطة المواضيع تتأسس قبل التي تكون معضلة المواضيع؛ مثلا، من الواضح أن الأفاعيل الحياتية أشد إعضالا من الحادثات الكيماوية، فلا يمكن - والحالة هذه - معرفة قوانين الحادثات الحياتية، قبل معرفة قوانين الحادثات الكيماوية، فكان من الطبيعي أن يتوصل الفكر البشري إلى اكتشاف القوانين الكيماوية قبل اكتشاف القوانين الحياتية، وكان من المستحيل عليه أن يؤسس علم الحياة على أسس علمية مثبتة، قبل أن يؤسس علم الكيمياء على مثل تلك الأسس المثبتة.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٩٦