إن الفيزيقوط عندما هاجروا من جرمانيا إلى الجنوب فانتقلوا إلى إسبانيا؛ أصبحوا أكثر شهوانية من ذي قبل، وشدة الشهوة التي اكتسبوها بهذه الصورة قوت في نفوسهم «حس الغيرة»، كما ظهر ذلك بكل وضوح في سلوك «الكونت جوليانوس الذي ضحى ببلاده من جراء واقعة تتعلق بعرض ابنته.»
في البلاد الشمالية تجد «ماكينة البدن» ملذات كثيرة في كل ما يحرك النفس - من صيد وسباحة وحرب وخمر - وأما في البلاد الحارة فتكاد تنحصر ملذات الحياة في العلاقات الجنسية. (و)
في البلاد الحارة ينفق البدن مقدارا كبيرا من الماء، فلا يحتاج إلى شيء من الخمور والكحوليات، وأما في البلاد الباردة فبعكس ذلك تقل الحاجة إلى الماء، فتزداد الحاجة إلى الخمور والكحوليات.
ولهذا السبب نجد أن إدمان الخمور يزداد مع ارتفاع درجة العرض الجغرافي، كلما تباعدنا من خط الاستواء نحو القطب. (ز)
إن الإقليم يؤثر في الأخلاق العامة أيضا تأثيرا شديدا؛ فإن سكنة البلاد الباردة يمتازون بكثرة الفضائل وقلة المفاسد، وقوة الصراحة، وقلة الأنانية. فإننا كلما تباعدنا من الشمال إلى الجنوب نكون كأننا تباعدنا عن الأخلاق، فشاهدنا أمما ينقص فيهم روح التشوف والإقدام والكرم، ويزداد فيهم الكسل والأنانية، وتتفشى بينهم المفاسد والجرائم. (ح)
ولذلك كله نجد أن أمم الشمال تتغلب دائما على أمم الجنوب، كما نجد أن الحرية والديمقراطية لا تتأسس إلا عند أمم الشمال، وأما أمم الجنوب فيتصفون بالعبودية والاستسلام بوجه عام، كما أن دولها لا تعرف معنى للحرية والديمقراطية، بل تكون مستبدة وظالمة في كل الأحوال. (ط)
إن عادة حجب النساء وحجزهن أيضا من التقاليد التي تتأسس في البلاد الجنوبية وحدها؛ لأن شدة الشهوة في تلك البلاد تستلزم اتخاذ تدابير شديدة لكبح جماحها، وأما في البلاد الباردة فلا فتكون ثمة حاجة لمثل هذه التدابير؛ لأن الخصال هناك تكون حميدة بوجه عام، كما أن شهوات النفس تكون معتدلة وهادئة في حد ذاتها؛ ولذلك شيء قليل من الانضباط يكفي لتنظيم الحياة الجنسية والمحافظة على العفاف؛ ولهذا السبب نجد أن المرأة في البلاد الباردة «تؤنس الجميع وترفه عن الجميع، على الرغم من أنها تخص نفسها لملذات شخص واحد.» (ي)
إن تأثير الحرارة والبرودة في الشجاعة لا يظهر عند مقارنة الممالك الشمالية بالجنوبية فحسب، بل إنه يظهر عند مقارنة المناطق الشمالية بالجنوبية في المملكة الواحدة أيضا.
وهذه الحقيقة يجب أن توضع نصب الأعين عند اختيار العاصمة في السلطنات الكبيرة، يجب أن تكون العاصمة في القسم الشمالي من المملكة؛ لأن الدولة التي تجعل عاصمتها في الجنوب تتعرض إلى خسارة مناطقها الشمالية، وأما الدولة التي تجعل عاصمتها في الشمال فتستطيع أن تسيطر على أقسامها الجنوبية بسهولة؛ وذلك بسبب شجاعة الشماليين وجبن الجنوبيين. (2)
إن آراء مونتسكيو في طبائع الشماليين والجنوبيين يجره إلى نظرية مماثلة عن طبائع الأوروبيين والآسيويين؛ لأنه يقول:
في آسيا لا توجد منطقة معتدلة الحرارة، فالبلاد الحارة هناك تتصل بالبلاد الباردة اتصالا مباشرا؛ ولذلك تكون الأمم القوية مجاورة للأمم الضعيفة مجاورة مباشرة، وتستطيع أن تسيطر عليها سيطرة قاصمة؛ وذلك يجعل الأولين سادة والأخيرين عبيدا.
وأما في أوروبا فالأمر يختلف عن ذلك اختلافا كليا؛ لأنه يوجد في القارة الأوروبية منطقة معتدلة الحرارة واسعة النطاق، فتكون الحرارة في هذه القارة متدرجة من الشمال إلى الجنوب، وكذلك قوة الأمم وشجاعتها، فلا تشاهد فروق عظيمة بين الأمم المتجاورة من حيث الشجاعة؛ فتتعادل القوى، فلا تستطيع الواحدة منها أن تسيطر على جارتها سيطرة تامة.
هذا هو السبب الأصلي - في نظر مونتسكيو - في قوة أوروبا وضعف آسيا، وفي حرية أوروبا وعبودية آسيا. إن روح الاستبداد من ناحية، وشيمة العبودية من ناحية أخرى قد تأسست ورسخت في آسيا، ولم تفارقها أبدا في دور من أدوار تاريخها الطويل. والباحث المدقق لا يلمح في جميع الأمم الآسيوية «علامة واحدة» تدل على روح حرة، و«لا يمكن أن يشاهد في آسيا في المستقبل أيضا بطولة غير بطولة العبودية.»