تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن مقدمة ابن خلدون مملوءة بمثل هذه الآراء والملاحظات التي تقرر علاقة الاقتصاديات بطبائع الأمم وأطوار الدول.

ولهذه الأسباب إنني أعتقد اعتقادا جازما بأن القول بأن «شرف إدخال عنصر الاقتصاد في علم التاريخ يعود إلى مونتسكيو»، ما هو إلا افتئات صريح على الحقيقة والواقع، وأجزم بلا تردد بأن هذا الشرف يعود إلى ابن خلدون الذي سبق مونتسكيو في هذا المضمار مدة تزيد على ثلاثة قرون.

هذا وإني أقول - زيادة على ذلك - إن ابن خلدون لا يمتاز على مونتسكيو - في هذه القضية - من جراء سبقه إلى فهم «علاقة التاريخ بالاقتصاد» سبقا زمانيا فحسب، بل إنه يمتاز عليه من جراء عمق التفكير ودقة النظر التي أظهرها في بحث ودرس هذه العلاقة أيضا.

وذلك لأن ابن خلدون ذهب في هذا المضمار إلى حدود لم يصل إليها مونتسكيو أبدا.

فإن الآراء التي يبديها المفكر العربي في هذا الصدد تقربه كثيرا من مبادئ المذهب الاقتصادي الاجتماعي الذي عرف فيما بعد باسم «المادية التاريخية»

Matérialisme Historique ، منذ عهد كارل ماركس في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.

إن مقارنة روح القوانين بمقدمة ابن خلدون من وجهة المباحث الاقتصادية تبرهن على ذلك برهنة قطعية. (3)

إن أول ما تجب ملاحظته عند الإقدام على الموازنة بين مقدمة ابن خلدون وبين روح القوانين من وجهة المباحث الاقتصادية، هو الانقلاب العظيم الذي كان قد حدث في الحياة الاقتصادية خلال المدة التي مضت بين عصر ابن خلدون وبين عهد مونتسكيو. إن بزوغ عصر الانبعاث، واكتشاف القارات الجديدة، وتقدم وسائل الملاحة البحرية، كانت من العوامل التي تضافرت على توسيع نطاق العلائق الاقتصادية توسيعا هائلا، وتنويع المعاملات التجارية تنويعا كبيرا. فمن الطبيعي أن يكون هناك فرق عظيم بين المسائل الاقتصادية التي ظهرت في العالم الغربي خلال القرن الثامن عشر، وبين تلك التي كانت تسود العالم الشرقي خلال القرن الرابع عشر.

إن هذا الفرق الكبير يجعل الموازنة بين مقدمة ابن خلدون وبين روح القوانين من الصعوبة بمكان، ومع ذلك فمن المستطاع التغلب على هذه الصعوبة.

أولا:

بالبحث عن مبلغ سمو كل واحد منهما على مستوى العصر الذي كتب فيه.

ثانيا:

بملاحظة المسائل الاقتصادية التي اشترك الكتابان في بحثها، بقطع النظر عن طول الزمان الذي يفصل بينهما. (4)

إذا وازنا بين «مقدمة ابن خلدون» وبين «روح القوانين» من وجهة «السمو فوق مستوى العصر»؛ وجدنا أن كفة الكتاب الأول ترجح على كفة الثاني رجحانا كبيرا.

ذلك لأن مونتسكيو لم يسم كثيرا على معاصريه في أبحاثه الاقتصادية، وقد اعترف بذلك روبرت فلينت نفسه، على الرغم من تقديره الشديد للخدمة التي أداها مؤلف روح القوانين لفلسفة التاريخ بإدخال عنصر الاقتصاد في تفسير التاريخ.

يقول روبرت فلينت بعدما يعلن أهمية هذا العمل: «يجب علينا أن نتجنب المغالاة في تقدير ما نحن مدينون به إلى مونتسكيو في هذا المضمار.» إذ يجب علينا ألا ننسى أن العصر الذي كتب فيه روح القوانين كان عهد نشوء وترعرع في علم الاقتصاد. إن الأبحاث الاقتصادية كانت صارت موضع اهتمام الكثيرين من المؤلفين والمفكرين، حتى إن جماعة من معاصري مونتسكيو ومواطنيه كانوا أقدموا على تأسيس المذهب «الفيزيوقراطي» المشهور في علم الاقتصاد.

2

من الثابت أن مونتسكيو كان قد أبدى طائفة من الآراء الاقتصادية التي ثبت بطلانها بعد مدة وجيزة، كما أنه أغفل كثيرا من الحقائق الاقتصادية التي تم اكتشافها قبل مرور مدة طويلة؛ مما يدل دلالة قطعية على أنه لم يتفوق على معاصريه تفوقا كبيرا في أبحاثه الاقتصادية.

في حين أن ابن خلدون كان قد سما فوق معاصريه سموا هائلا في هذا المضمار، كما أنه ظل يحلق فوق مستوى الذين جاءوا بعده أيضا - في الشرق وفي الغرب - مدة قرون عديدة. (5)

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٨٨