تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

في الواقع إن الفلسفة لم تنقطع عن التأمل في الوقائع والحادثات الطبيعية والتاريخية، فهي لا تزال تتناول التاريخ أيضا بالنظر والتمحيص، غير أن النظر الفلسفي يمتاز عن البحث العلمي الاعتيادي بالإقدام على أوسع التركيبات، وبالبحث عن أشمل القوانين وأعمق الأسباب.

ومما تجب ملاحظته في هذا الصدد أن «أشمل القوانين وأعمق الأسباب» في تطور الأمم لا يمكن أن تكتشف بدرس الوقائع التاريخية وحدها، بل إن اكتشاف مثل هذه القوانين الشاملة والأسباب العميقة يتطلب ملاحظة أحوال الأمم الحاضرة مثل ملاحظة الأمم البائدة، ودرس الحادثات الاجتماعية الحالية مثل درس الحادثات الماضية، ومن البديهي أن هذه الأبحاث تتعدى حدود «التاريخ» البحت، وتدخل في نطاق الاجتماعيات العامة، فتكون حينئذ من مواضيع «الفلسفة الاجتماعية»، أو «علم الاجتماع» بوجه عام.

ولهذه الأسباب صارت المؤلفات المتعلقة بفلسفة التاريخ تقل شيئا فشيئا تاركة محلها للمؤلفات التي تحمل عنوان «علم التاريخ»، أو «أصول التاريخ» من جهة، وللأبحاث التي تدخل في نطاق علم الاجتماع، أو الفلسفة الاجتماعية من جهة أخرى. (4)

إذا استعرضنا أهم المؤلفات التي تتعلق بفلسفة التاريخ مباشرة، أو التي تمت بصلة قوية إلى بعض أبحاث هذه الفلسفة، وحصرنا استعراضنا هذا فيما صدر منها خلال القرون الأربعة التي تلت تاريخ كتابة مقدمة ابن خلدون (أي من سنة 1377 إلى سنة 1777)؛ وجدنا أنها تنحصر في الكتب العشرة التالية حسب تواريخ نشرها: (أ)

الأمير (سنة 1520)، تأليف ماكيافللي

Machiavelli

الإيطالي. (ب)

الجمهورية (سنة 1557)، تأليف «جان بودن»

Jean Bodin

الفرنسي. (ج)

خطب في التاريخ العام (سنة 1681)، تأليف «بوسسوئة»

Bossuet

الفرنسي. (د)

الحكومة المدنية (سنة 1690)، تأليف «جون لوك»

J. Lock

الإنجليزي. (ه)

العلم الجديد (سنة 1725)، تأليف «جان باتيستا فيكو»

J. B. Vico

الإيطالي. (و)

روح القوانين (سنة 1748)، تأليف «مونتسكيو»

Montesquein

الفرنسي. (ز)

خطب في الصوربون (سنة 1750)، تأليف «تورغو»

Turgot

الفرنسي. (ح)

طبائع الأمم وفلسفة التاريخ (سنة 1756)، تأليف فولتير

Voltaire

الفرنسي. (ط)

تاريخ المجتمع المدني (سنة 1765)، تأليف «فركوسن»

Fergusson

الإنجليزي. (ي)

آراء فلسفية في تاريخ البشرية (سنة 1772)، تأليف «هردر»

Herder

الألماني.

وأما إذا وسعنا ساحة بحثنا وأشملناها كل ما كتب قبل مقدمة ابن خلدون أيضا، فلا نجد بينها إلا ثلاثة مؤلفات، تمت ببعض الصلة إلى بعض الأبحاث من فلسفة التاريخ، وهي: (أ)

الجمهورية، لأفلاطون

Platon (القرن الرابع قبل الميلاد). (ب)

السياسة، لأرسطو

Aristotelis (القرن الرابع قبل الميلاد). (ج)

مدينة الله، للقديس أوغسطين

St Augustin (القرن الرابع بعد الميلاد).

إن تعيين منزلة مقدمة ابن خلدون في «تاريخ فلسفة التاريخ»، لمما يتطلب مقارنتها بالكتب والمؤلفات التي ذكرناها آنفا. (5)

إن أشمل الدراسات عما كتب في فلسفة التاريخ قام بها «روبرت فلينت»

R. Flint ، الذي كان أستاذا في جامعة إدينبرة، فقد نشر المومأ إليه أولا - سنة 1874 - كتابا بعنوان «فلسفة التاريخ في فرنسا وألمانيا»، يعتبر من أمهات الكتب في هذا الموضوع.

يبدأ فلينت فصول كتابه ببحث عن «جان بودن»، ولكنه يقدم على ذلك مقدمة طويلة يستعرض فيها بذور فلسفة التاريخ، مبتدئا من أفلاطون وأرسطو، ومتوسعا في القديس أوغسطين. إن اسم ابن خلدون لم يذكر في هذه المقدمة؛ مما يدل على أن المؤلف لم يكن قد اطلع عليها بعد عندما نشر الكتاب المذكور.

غير أن روبرت فلينت واصل أبحاثه في هذا المضمار بعد نشر الكتاب المذكور أيضا، إنه درس ما نشر عن فلسفة التاريخ في سائر البلاد، وفي الأخير نشر مؤلفا آخر تحت عنوان «تاريخ فلسفة التاريخ»، وذلك بعد مرور عشرين عاما على نشر كتابه الأول.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٧٢