تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من الواضح أن العرب المقصودين هنا لم يكونوا قط من سكنة الأمصار. (ه)

لقد كتب ابن خلدون في المجلد الثالث من تاريخه العبارة التالية: «وقال المتنبي يمدح سيف الدولة، ويعرض بذكر العرب الذين أوقع بهم لما كثر عبثهم وفسادهم.»

إن هذه العبارة قد تثير الاستغراب؛ لأنها قد تحمل القارئ على التساؤل: «ألم يكن المتنبي نفسه وسيف الدولة أيضا من العرب؟» غير أن مراجعة وقائع التاريخ من جهة، وديوان المتنبي من جهة أخرى، تكفي لإعلامنا بأن العرب الذين يشير إليهم ابن خلدون هنا، هم «بنو كلاب» الذين كانوا ثاروا على سيف الدولة؛ فاضطروه إلى تجريد حملة عسكرية.

إن أمثال هذه الفقرات والعبارات التي تدل على استعمال كلمة العرب بمعنى البدو كثيرة جدا في جميع مجلدات التاريخ.

4 (1)

وقد كتب ابن خلدون في ترجمة حياته أيضا فقرات عديدة تؤيد كل ما ذكرناه آنفا، ندرج فيما يلي بعض تلك الفقرات: «الإجازة الثانية إلى الأندلس واللحاق بأحياء العرب، والمقامة عند أولاد عريف» (المجلد السابع من التاريخ، ص443). «أقمت بها أربعة أعوام، فظعنت عن أولاد عريف مع عرب الأجص، من بادية رياح، كانوا هناك ينتجعون الميرة» (ج7، ص445). «فطلبت الإذن في الانصراف بعهد كان معه في ذلك، فأذن لي بعد أن أبى، وخرجت إلى العرب، ونزلت إلى يعقوب بن علي» (ج7، ص419).

إن الفقرة الأخيرة يجب أن تستوقف الأنظار بوجه خاص؛ إن عبارة «خرجت إلى العرب» التي كتبها ابن خلدون هنا، تشبه تمام الشبه قول الناس: «ذهبت إلى العرب»، فإنها تدل دلالة قاطعة على أن ابن خلدون كان يقصد من كلمة العرب «البدو» على وجه الحصر، كما يفعله العوام في أكثر البلاد العربية إلى الآن. (2)

ومن الغريب أن المعنى الخاص الذي استعمل به ابن خلدون كلمة العرب كان قد لفت أنظار المستشرقين منذ مدة طويلة، حتى إن «البارون دو سلان» كان أشار إلى ذلك حينما ترجم المقدمة.

فإنه نقل كلمة العرب إلى الفرنسية كما هي، ومع ذلك كتب في المجلد الأول من الترجمة - في ذيل الفصل القائل «إن جيل العرب في الخلقة طبيعي»: «إن ابن خلدون استعمل كلمة العرب بمعنى البدو في هذا الفصل، وفي الفصول التالية.»

كما أنه كتب في المجلد الثالث من الترجمة في معظم الألفاظ الملحقة بها مقابل كلمة العرب، العبارة الصريحة التالية: «إن عرب ابن خلدون هم الأعراب.»

Les arabes d’Ibni Khaldoun, sont les arabes nomads (Vol 3 page 488).

هذا وقبل البارون دو سلان كان المترجم التركي جودت باشا أيضا قد انتبه إلى هذا المعنى الخاص، وإن لم ير لزوما لذكره بصراحة؛ لأنه لم ينقل كلمة «العرب» إلى التركية كما هي، بل نقلها - في مواضع كثيرة - على شكل «قبائل عرب»، بمعنى «قبائل العرب أو القبائل العربية». (3)

ولذلك كله يؤلمني جدا أن تبقى هذه الحقيقة الناصعة مجهولة بين قراء العربية وكتابها، وأن يستمر على إساءة فهم مقدمة ابن خلدون - من جراء ذلك - في الأحاديث والكتب والمقالات.

خاتمة

عندما أتذكر وأستعرض ما قيل وكتب، وما لا يزال يقال ويكتب حول هذه المسألة، أفكر في الكلمة التي كان قد صدر بها المفكر الشهير «مونتسكيو» الطبعة الثانية من كتابه «روح القوانين»، إنه كان لاحظ أن بعض التعبيرات التي استعملها في الطبعة الأولى قد أسيء فهمها؛ ولذلك رأى أن يوضح قصده قائلا: «إن أبحاثي وتأملاتي أوصلتني إلى أفكار وآراء جديدة، فكان لزاما علي - حينما حاولت التعبير عن تلك الأفكار والآراء - أن أستحدث بعض الكلمات الجديدة، أو أن أستعمل بعض الكلمات القديمة لمعان جديدة. إن الذين لم يفهموا ذلك عزوا إلي من الأقوال والآراء السخيفة ما لم يخطر ببالي أبدا.»

كان مونتسكيو قد عاش وكتب في عصر نهوض ترعرعت فيه الطباعة، وتنشطت فيه الحركات الفكرية بسرعة خارقة، ولهذا السبب استطاع الاطلاع على «كيفية فهم كتاباته»، فوجد سبيلا إلى تغيير بعض تعبيراته، بقصد إزالة الإبهام والالتباس منها، وإلى شرح مقاصده بقصد الدفاع عن آرائه.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٧٠