تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يفهم من هذه العبارات - ولا سيما من العبارة الأخيرة - بصراحة ما بعدها صراحة أن ابن خلدون استعمل كلمة العرب في هذا الفصل أيضا بمعنى أعراب البادية الذين يعيشون خارج المدن، ويرحلون من محل إلى محل وفقا لحاجات الإبل التي يقوم معاشهم عليها.

ومما يجدر بالملاحظة أن الفصلين المذكورين من أقسام الباب الثاني، ومن المعلوم أن الباب المذكور يبحث في «العمران البدوي»، ويترك الكلام عن الدول إلى الباب الثالث، وعن الأمصار إلى الباب الرابع. (ج)

وأما الفصول التي يقول فيها ابن خلدون: «إن العرب لا يستولون إلا على البسائط» (ص149)، و«إن العرب أبعد الأمم عن سياسة الملك» (ص151)، و«إن العرب لا يحصل لهم ملك إلا بصبغة دينية» (ص151)؛ فكلها من أقسام الباب الثاني، الباب الباحث «في العمران البدوي»، وفي كل واحد من هذه الفصول قرائن قاطعة كثيرة على استعمال كلمة العرب بمعنى «البدو»، علاوة على دلالة عنوان الباب المذكور. (3)

إن ابن خلدون لم يستعمل كلمة العرب بمعنى البدو في فصول الباب الأول التي ذكرتها فحسب، بل استعملها على نفس المنوال في فصول الأبواب الأخرى أيضا، إني أذكر فيما يلي بعض النماذج الواضحة، والدلائل القاطعة على هذا الاستعمال: (أ)

يوجد في الباب الرابع أيضا فصل خاص بالعرب، هو الفصل الذي يقرر «أن المباني التي كانت تختطها العرب يسرع إليها الخراب إلا في الأقل.»

يبدأ ابن خلدون هذا الفصل بالعبارة التالية: «والسبب في ذلك شأن البداوة»، ثم يقول في سياق الكلام: «والعرب، إنما يراعون مراعي إبلهم خاصة، ولا يبالون بالماء طاب أو خبث، قل أو كثر، ولا يسألون عن زكاء المزارع والمنابت والأهوية لانتقالهم في الأرض، ونقلهم الحبوب من البلد البعيد. وأما الرياح فالقفر مختلف للمهاب كلها، والظعن كفيل بطيبها؛ لأن الرياح إنما تخبث مع القرار والسكنى وكثرة الفضلات» (ص359).

يظهر من ذلك بكل وضوح أن العرب المقصودين في هذا الفصل هم البدو الذين يعيشون في القفار، ولا يسكنون ويستقرون في محل، بل يظعنون من مكان إلى آخر، ويفكرون في مراعي إبلهم قبل كل شيء. ولا يوجد في هذا الفصل كلمة واحدة تنطبق على أهل الأمصار. (ب)

هذا ويوجد في الباب الخامس أيضا فصل خاص بالعرب، هو الفصل الذي يقول فيه ابن خلدون: «إن العرب أبعد الناس عن الصنائع» (ص404).

يبدأ المؤلف الكلام عن ذلك بالعبارة التالية: «والسبب في ذلك أنهم أعرق في البدو، وأبعد عن العمران الحضري، وما يدعو إليه من الصنائع وغيرها» (ص404).

ومن الواضح أنه يشير هنا أيضا إلى البدو، ولا يقصد قط أهل الأمصار. إن هذا المعنى يتجلى بوضوح أعظم من ذلك من الفقرات التي تلي العبارة المذكورة: «والعجم من أهل المشرق، وأمم النصرانية عدوة البحر الرومي، أقوم عليها (أي على الصنائع)؛ لأنهم أعرق في العمران الحضري، وأبعد عن البدو وعمرانه. حتى إن الإبل التي أعانت العرب على التوحش في القفر والإعراق في البدو مفقودة لديهم بالجملة. وعجم المغرب من البربر مثل العرب في ذلك؛ لرسوخهم في البداوة منذ أحقاب من السنين» (ص404).

إن هذه العبارات تدل دلالة صريحة على أن ابن خلدون عنى بكلمة العرب في هذا الفصل أيضا الأعراب البداة الذين يعيشون في القفار مستعينين بالإبل، ولم يقصد «العرب» بالمعنى الذي نفهمه من هذه الكلمة في الحالة الحاضرة. (ج)

ومما يزيد الأمر وضوحا وقطعية أن ابن خلدون يعود إلى القضية في بحث العلوم أيضا، إذ يقول - بعد أن يشبه العلوم بالصنائع: «وقد كنا قدمنا أن الصنائع من منتحل الحضر، وأن العرب أبعد الناس عنها، وصارت العلوم لذلك حضرية، وبعد العرب عنها وعن سوقها» (ص544).

يلاحظ أن ابن خلدون يذكر هنا كلمة العرب مرتين مقابلا لكلمة الحضر بشكل لا يترك مجالا للشك في أنه يقصد البدو على وجه التخصيص، ويخرج من نطاق شمولها الحضر على الإطلاق. (4)

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٦٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٦٧