تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

بعد هذه الأمثلة على المعاني الخاصة التي عناها ابن خلدون من بعض الكلمات لا بد لنا من أن نشير إلى المعاني الخاصة التي قصدها من بعض التراكيب أيضا.

إن من يقرأ المقدمة بإمعان يجد فيها بعض التعابير والتراكيب التي لا يمكن أن تفهم حق الفهم بمجرد ملاحظة معاني مفرداتها؛ فإن فهم مثل هذه التعابير والتراكيب يتطلب - بطبيعة الحال - ملاحظة فقرات عديدة، وأحيانا مطالعة فصول كثيرة، حتى إنه يحتاج في بعض الحالات إلى مراجعة علوم مختلفة.

مثلا يستعمل ابن خلدون في عدة مواضع التراكيب التالية؛ كلمات حدثانية، وازع عصباني، تكاليف إنشائية، خطط خلافية. ومن البديهي أن معاني هذه التعبيرات تحتاج إلى بحث واستجلاء.

إن تعبير «الوازع العصباني» من وضع ابن خلدون نفسه، ففهم المقصود منه يتوقف على ملاحظة آرائه في «الوازع»، و«أنواع الوازع»، و«العصبية».

وأما تعبير «الكلمات الحدثانية» فهو من مصطلحات الكهان والعرافين، ففهم المقصود منه يتطلب مطالعة ما كتبه عنهم بتأمل وانتباه.

وأما تعبير «التكاليف الإنشائية» فهو من التعبيرات التي استعارها من علماء البيان، فإن هؤلاء العلماء يقسمون الجملة إلى نوعين؛ خبرية وإنشائية، ويسمون الجملة التي تستهدف «الإخبار عما حدث، أو عما سيحدث» باسم الخبرية، كما يسمون الجملة التي تتضمن «طلب الحدوث»، أو «الأمر بالإحداث» باسم «الإنشائية». إن ابن خلدون استحدث تعبير «التكاليف الإنشائية» قياسا على اصطلاح علماء البيان في هذا الصدد، وأعتقد أن أحسن كلمة تقابل قصد ابن خلدون من هذا التركيب هي كلمة

normatif

أو

impératif . (4)

ومما يجدر بالملاحظة أن بعض التعبيرات التي استعملها ابن خلدون تولد التباسا في الأذهان، بالنسبة إلى الاستعمال المألوف، وإن ظهرت في بادئ الأمر جلية المعنى.

مثلا لقد استعمل ابن خلدون عدة مرات تعبير «الخطط الدينية الخلافية»، ولا حاجة للبيان أن هذا التعبير يوهم بأن المقصود منه هو «الأمور الدينية المختلف فيها»، في حين أن قليلا من الانتباه إلى مواضع استعمال هذا التعبير، يكفي للجزم بأن كلمة الخلافية الواردة فيه منسوبة إلى «الخلافة»، لا إلى «الخلاف»، وقد قصد المؤلف من هذا التعبير «الخطط المتعلقة بالخلافة»، تمييزا لها عما يتعلق بالسلطان والملك.

وكذلك قد استعمل ابن خلدون في عدة مواضع تعبير «عجم المغرب»، كما ذكر عدة مرات «الخلافة الفارسية الكريمة». إن من يفسر مثل هذه التعبيرات بمدلولاتها المعتادة في الحالة الحاضرة، يتوهم أن ابن خلدون يقصد الفرس، ويشير إلى خلافة فارسية، ولكن الحقيقة الراهنة هي أنه قصد من «عجم المغرب» البربر، كما أراد بالإمامة الفارسية إمامة «أمير المؤمنين» أبي فارس عبد العزيز، ابن مولانا السلطان المعظم الشهير الشهيد أبي سالم إبراهيم» (ص8). (5)

غير أني أعتقد أن أشد الالتباسات في كتابات ابن خلدون، وأغرب التوهمات في مقاصده قد نشأت من جراء كلمة «العرب».

وبما أن هذه القضية هامة جدا لفهم نظريات المقدمة على حقيقتها، رأيت من الضروري أن أتوسع في شرحها توسعا وافيا؛ ولذلك أفردت لها دراسة خاصة بعد هذا البحث الذي لم أكتبه - في حقيقة الحال - إلا تمهيدا لها.

| كلمة العرب

في مقدمة ابن خلدون

إن كلمة العرب في مقدمة ابن خلدون من الكلمات التي ولدت أغرب الالتباسات، وأنتجت أسوأ النتائج.

ذلك لأن ابن خلدون استعمل الكلمة المذكورة بمعنى «البدو» و«الأعراب»، خلافا للمعنى الذي نفهمه منها الآن، كما يتبين من الدلائل والقرائن الكثيرة المنبثة في جميع أقسام المقدمة.

إن عدم انتباه القراء والباحثين إلى هذا الاستعمال الخاص أدى إلى أخطاء عظيمة في فهم مقاصد ابن خلدون؛ لأن ذلك أظهره بمظهر المتحامل على العرب، وحمل بعض الشعوبيين على الاستشهاد به، كما دفع بعض القوميين إلى الهجوم عليه.

دراسات عن مقدمة ابن خلدون · الصفحة ٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

دراسات عن مقدمة ابن خلدونص ٦٣